ناهد صلاح

لماذا استحق "ولنا فى الخيال حب" الجائزة الكبرى؟

الأحد، 26 يوليو 2026 02:03 م


​لم يكن فوز فيلم "ولنا في الخيال حب" للمخرجة سارة رزيق بالجائزة الكبرى للدورة السابعة من مهرجان هرهورة لسينما الشاطئ "سيني-بلاج" بالمغرب، مجرد تتويج لفيلم رومانسي، بقدر ما بدا اعترافًا بتجربة اختارت أن تغامر خارج المسارات الأكثر رواجًا في السينما المصرية، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا لدى بعض المهرجانات العربية للاحتفاء بالأعمال التي تقدم مقترحات جمالية مختلفة. يُعد هذا التتويج، الذي جاء ضمن فعاليات المهرجان الذي تنظمه الجمعية المغربية "الفن بلا حدود" بالشراكة مع جماعة هرهورة ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ويرأسه الفنان عبد الواحد مجاهد، تأكيدًا على حضور الفيلم عربيًا، لا سيما أنه تزامن مع إطلاقه عبر المنصات الرقمية، ليعود إلى دائرة النقاش الجماهيري والنقدي بعد أقل من عام على عرضه في دور السينما، ليؤكد الفيلم الذي قام ببطولته: أحمد السعدني، مايان السيد، عمر رزيق، فريدة رجب، سيف حميدة، بسنت أبو باشا و.. غيرهم، أن بعض الأعمال لا تنتهي رحلتها بخروجها من قاعات العرض، بل تبدأ حياة جديدة حين تجد جمهورًا جديدًا أكثر استعدادًا لاكتشافها بعيدًا عن حسابات شباك التذاكر، وهي ظاهرة أصبحت أكثر وضوحًا مع تغير أنماط المشاهدة واعتماد الجمهور بصورة متزايدة على المنصات الرقمية، مما يمنح الأعمال الفنية عمراً افتراضياً أطول وفرصة حقيقية للوصول إلى متلقٍ مغاير. فمنذ مشاهده الأولى يعلن الفيلم انحيازه إلى عالم لا تحكمه الواقعية الصارمة، بل تحكمه الذاكرة والخيال والفنون، حيث تتحول أكاديمية الفنون إلى فضاء تتقاطع فيه الموسيقى والرسم والرقص مع مشاعر الحب والفقد، لتصبح الشخصيات كأنها تعيش بين عالمين، عالم ملموس تفرضه الحياة، وآخر تصنعه الرغبة في الهروب منها، هذا التكوين البصري والدرامي يضع الفيلم ضمن الأعمال التي تتعامل مع المكان بوصفه عنصرًا دلاليًا لا مجرد خلفية للأحداث، توظيف درامي يثري البناء السردي. كما أن هذا الاختيار يمنح الفيلم خصوصيته، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحدٍ كبير، لأن المراهنة على الخيال تتطلب بناءً دراميًا قادرًا على إقناع المتلقي بقوانينه الداخلية.

​تستلهم سارة رزيق حكايتها من باليه "كوبيليا"، أحد العروض الكلاسيكية العالمية التي تنتمي إلى الفانتازيا، الباليرينا التي تتحول إلى دمية، لكنها لا تقدم اقتباسًا مباشرًا، بل تستخدم الفكرة الأساسية لتطرح سؤالًا عن الصورة التي نصنعها لمن نحب، وهل نقع في حب الأشخاص فعلًا أم في حب التصورات التي نرسمها عنهم؟.. وهو سؤال يتجاوز الإطار الرومانسي ليقترب من مناقشة العلاقة بين الذاكرة والإدراك والهوية الإنسانية. لذلك لا تبدو الدمية مجرد عنصر غرائبي داخل الأحداث، إنما تصبح رمزًا لكل وهم جميل يتمسك به الإنسان حين يعجز عن مواجهة الحقيقة. من هنا يكتسب الدكتور يوسف (أحمد السعدني) بعده الإنساني، فهو لا يعيش مع دمية (زوجته الراحلة، جسدتها بسنت أبو باشا) بقدر ما يعيش داخل ذاكرته، بينما يتحول نوح ( عمر رزيق) إلى الوجه الآخر للوهم، حين ينساق خلف صورة يتخيلها قبل أن يعرفها، في الوقت الذي تمثل فيه وردة (مايان السيد) الشخصية الأكثر اتصالًا بالواقع، فهي الوحيدة التي تحاول إعادة الجميع إلى الحياة بدلًا من تركهم أسرى الماضي أو الخيال، بذلك يبني الفيلم صراعه الأساسي بين التمسك بالماضي والقدرة على التصالح مع الحاضر.

الفيلم لديه نزعة بصرية تكشف عن مخرجة تمتلك حسًا واضحًا في تشكيل الصورة، إذ تميل الكادرات إلى دفء لوني يعكس الحالة العاطفية للشخصيات، بينما تتعامل الكاميرا مع الأماكن بوصفها امتدادًا لمشاعر أبطالها، وليس مجرد ديكور للأحداث، وهو توظيف يعكس وعيًا باللغة البصرية التي تمنح الصورة وظيفة سردية لا تقل أهمية عن الحوار. كما أن الموسيقى التي وضعها هشام نزيه لا تعمل كخلفية صوتية، وإنما تشارك في بناء الحالة النفسية، وتمنح كثيرًا من المشاهد طاقة عاطفية كانت ستبدو أقل تأثيرًا في غيابها، إذ تتحول الموسيقى إلى أحد العناصر السردية التي تدفع الإحساس الدرامي إلى الأمام. أما الاستعراضات، فجاءت موظفة داخل السياق دون إفراط، لعل هذا ما حافظ على إيقاع الفيلم ومنع تحوله إلى استعراض غنائي منفصل عن الدراما، في تجربة تستعيد روح الأفلام الموسيقية الكلاسيكية، لكن برؤية معاصرة تحاول مخاطبة جمهور اليوم، في محاولة لإحياء نوع سينمائي تراجع حضوره عربيًا خلال العقود الأخيرة، وهو من الأساس قليل أقرب إلى الندرة.


​بينما على مستوى الأداء، تستفيد التجربة من حيوية جيل جديد من الممثلين، إذ تمنح مايان السيد شخصية وردة حضورًا طبيعيًا بعيدًا عن التكلف، بينما يقدم عمر رزيق شخصية نوح بطاقة تتلاءم مع اندفاعها وإن كان يحتاج في بعض اللحظات إلى مزيد من السيطرة على انفعالاته، في حين يحقق أحمد السعدني توازنًا لافتًا بين الصرامة والانكسار، رغم أن السيناريو لم يمنحه العمق الكافي لتفسير تحولات الشخصية بصورة أكثر إقناعًا. وربما تكمن الملاحظة الأبرز على الفيلم في أن طموحه البصري والفكري يتجاوز أحيانًا قدرة السيناريو على احتواء هذا الطموح، فبعض العلاقات لا تنمو بالقدر الذي يجعل المشاهد يتورط عاطفيًا فيها، وبعض التحولات تأتي أسرع مما ينبغي، مع ذلك، فإن الملاحظات لا تلغي قيمة التجربة، لأنها تعكس محاولة واعية لإعادة الاعتبار لفيلم رومانسي يؤمن بأن الخيال وسيلة لفهم الحقيقة وإعادة اكتشافها، وهو طرح يمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود القصة المباشرة. لعل هذا ما يجعل "ولنا في الخيال حب" فيلمًا يربح أكثر مع الزمن، لأن قيمته الحقيقية لا تكمن في حبكته وحدها، إنما في دفاعه المستمر عن حق الإنسان في أن يحلم، حتى وهو يعرف أن الأحلام لا تنتصر دائمًا، فالأعمال التي تراهن على الفكرة واللغة السينمائية غالبًا ما تزداد قيمتها مع إعادة المشاهدة والنقاش النقدي.

وربما لهذا السبب بدا فوزه في مهرجان هرهورة مستحقًا، فهو لا يكافئ فيلمًا مكتملًا بقدر ما يحتفي بتجربة تمتلك شخصية بصرية واضحة ورؤية مختلفة، وتجدد الإيمان بأن السينما الرومانسية، عندما تنحاز إلى الصدق الفني بدلًا من الاستسهال، ما زالت قادرة على أن تجد مكانها في وجدان الجمهور وفي ذاكرة المهرجانات العربية، وهو ما ينسجم مع فلسفة العديد من المهرجانات التي تمنح الجوائز للأعمال التي تضيف جديدًا إلى لغة السينما، وليس فقط للأعمال الأكثر اكتمالًا على المستوى التقليدي، إنه معيار راقٍ يفضّل حيوية التجربة والمغامرة الفنية على القوالب التقليدية المضمونة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة