شحاتة زكريا

عصر ما بعد الحقيقة.. هل نصدق ما نرى؟

الأحد، 26 يوليو 2026 04:59 ص


في زمن مضى كان الناس يختلفون حول تفسير الحقيقة أما اليوم فقد أصبحوا يختلفون حول وجودها من الأساس. لم يعد السؤال: من يقول الحقيقة؟ بل: أي حقيقة نصدق؟ فالمشهد لم يعد كما كان الصورة لم تعد دليلا والصوت لم يعد حجة والخبر لم يعد يعني بالضرورة أن شيئا قد وقع بالفعل.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة لم تعد فيها الوقائع وحدها تصنع الرأي العام بل أصبحت الروايات المتنافسة هي التي تحدد ما يراه الناس وما يؤمنون به وما يدافعون عنه. إنها مرحلة انتقلت فيها البشرية من معركة المعلومات إلى معركة الإدراك ومن البحث عن الحقيقة إلى الصراع على تفسيرها.
لسنوات طويلة كانت الصحف والإذاعات ثم القنوات الفضائية هي البوابة التي يعبر منها الخبر إلى الناس وكانت هناك قواعد مهنية، ومحررون، وهيئات تحرير، ومسؤولية أخلاقية تحكم ما ينشر.
أما اليوم فقد أصبح كل هاتف غرفة أخبار وكل حساب شخصي منصة إعلامية وكل مستخدم قادرا على أن يصنع رواية وأن يجد لها جمهورا وأن يحولها إلى حقيقة يتداولها الملايين حتى وإن كانت بلا أصل.


هنا تكمن خطورة عصر ما بعد الحقيقة فالخطر لم يعد في الكذب وحده وإنما في سرعة انتشاره وفي قدرة الزيف على ارتداء ثوب الحقيقة بإتقان. لم يعد التضليل يحتاج إلى جهد كبير بل يكفي عنوان مثير، أو صورة خارج سياقها أو مقطع مجتزأ حتى تبدأ آلة التداول في العمل ويصبح النفي مجرد خبر متأخر لا يلحق بما صنعته الشائعة...ولعل المفارقة الأكثر إيلاما أن الإنسان الذي امتلك أكبر قدر من المعرفة في تاريخ البشرية أصبح أكثر عرضة للخداع. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الحقيقة بل قد تتحول كثرة المحتوى إلى ضباب يحجب الرؤية ويجعل الوصول إلى اليقين أكثر صعوبة من أي وقت مضى.. التكنولوجيا لم تخطئ فهي في النهاية أداة. لكنها منحت الإنسان قوة غير مسبوقة فمن يستطيع أن يبني بها الوعي يستطيع أيضا أن يصنع بها الوهم.


ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد السؤال: هل يمكن تزوير صورة أو فيديو؟ بل: كيف يمكن إثبات أنهما حقيقيان؟ لقد أصبحت الحقيقة مطالبة بالدفاع عن نفسها بينما يتحرك الزيف بحرية مذهلة.


وإذا كانت الدول قد عرفت في الماضي حروبا بالسلاح فإنها تواجه اليوم نوعا آخر من الصراعات لا تطلق فيه رصاصة واحدة لكنه قد يهز اقتصادا، أو يثير اضطرابا اجتماعيا، أو يزرع الشك بين المواطن ومؤسسات دولته. إنها حروب تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الحدود وتستهدف العقول قبل المواقع.. ومن هنا لم يعد الأمن مسؤولية الجيوش وحدها، ولا الاستقرار مسؤولية الحكومات فقط بل أصبح الوعي الشعبي جزءًا أصيلا من منظومة الأمن الوطني. فشائعة واحدة قد تربك الأسواق وخبرا مزيفا قد يثير الذعر وصورة مفبركة قد تشعل خلافا لا أساس له. وهنا يصبح التثبت من المعلومة واجبا وطنيا قبل أن يكون سلوكا فرديا.. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس نقص المعلومات وإنما فقدان القدرة على التمييز بينها. فحين يتساوى الرأي مع الحقيقة والإشاعة مع الخبر والانفعال مع التفكير تدخل المجتمعات في دائرة من الارتباك يصعب الخروج منها.
وربما تكون الأزمة الأكبر أن كثيرين لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة بل عن المعلومة التي توافق ما يريدون تصديقه. وهكذا تتحول وسائل التواصل إلى غرف مغلقة يسمع فيها كل طرف صدى صوته فقط فيختفي الحوار وتتراجع مساحة العقل ويعلو صوت الانفعال...ورغم كل ذلك فإن الحقيقة تظل تمتلك ميزة لا يملكها الزيف أنها لا تحتاج إلى من يختلقها بل إلى من يصبر حتى تظهر. قد تتأخر وقد يحاصرها الضجيج لكنها في النهاية تجد طريقها بينما يسقط الكذب تحت ثقل تناقضاته.. إن معركة المستقبل لن تكون بين من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها بل بين من يحسن استخدامها ومن يقع أسيرا لها. ولن يكون المجتمع الأقوى هو الأكثر اتصالا بالإنترنت وإنما الأكثر قدرة على التفكير والأشد تمسكا بقيمة الدليل والأكثر احتراما للعقل.. وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا أمام كل واحد منا: عندما نفتح هواتفنا كل صباح ونغرق في سيل لا ينتهي من الصور والمقاطع والعناوين.. هل نرى الحقيقة فعلا أم نرى فقط ما أراد الآخرون أن نراه؟

إنها ليست معركة من أجل خبر صحيح بل معركة من أجل عقل لا يخدع وضمير لا ينجرف وإنسان يدرك أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها وحدها التي تملك القدرة على البقاء. ومن يعتد أن يفتش عنها لن يكون أسيرا لوهم ولن تهزمه ضوضاء لأن الأمم تبنى بالعلم لكن العلم نفسه لا يزدهر إلا في ظل احترام الحقيقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة