لم تكن مصر يوماً مجرد حضور عابر في دول حوض النيل، بل كانت دائماً شريكاً ملتزماً، يحمل معه خبرات تراكمت عبر أجيال على ضفاف أطول نهر في العالم.
إن لغة مصر ليست لغة شعارات، بل لغة طرق وجسور وسدود ومحطات طاقة وشبكات مياه. إنها لغة التنمية، التي تبني الثقة لأنها تحسّن حياة الناس قبل أن تخاطب السياسة.
أكدت التجربة المصرية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة أن التنمية أصبحت إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية المصرية، في إطار رؤية يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي ترتكز على بناء شراكات تنموية مستدامة مع دول القارة، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الأمن والاستقرار الإقليمي.
وجاءت الإشادة التي عبّرت عنها الرئيسة التنزانية بالخبرات المصرية، ووصفت فيها المهندسين المصريين بأنهم الامتداد الطبيعي لعبقرية بناة الأهرامات، لتؤكد المكانة التي وصلت إليها الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى داخل القارة الأفريقية، بعد نجاحها في إنجاز عدد من مشروعات البنية التحتية وفق أعلى المعايير الفنية والهندسية.
وتتبنى القاهرة نهجًا يقوم على توظيف الخبرات الوطنية في دعم جهود التنمية الأفريقية، انطلاقًا من قناعة بأن ازدهار القارة يمثل ركيزة أساسية لاستقرارها، وأن التعاون الاقتصادي والتنموي هو الطريق الأكثر فاعلية لبناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، أصبحت أفريقيا إحدى أهم ساحات التنافس بين القوى العالمية، في ظل تنامي اهتمام الولايات المتحدة والصين وروسيا والدول الأوروبية بتعزيز وجودها داخل القارة عبر الاستثمار في البنية التحتية والموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد. غير أن مصر اختارت مسارًا مختلفًا يقوم على الشراكة والتعاون، بعيدًا عن منطق المنافسة على النفوذ أو استغلال الموارد.
ويستند هذا التوجه إلى تاريخ طويل من العلاقات المصرية الأفريقية، بدأ بدعم حركات التحرر الوطني والمساهمة في تأسيس المؤسسات القارية، وصولًا إلى استعادة الزخم في العلاقات مع دول القارة خلال السنوات الأخيرة من خلال مشروعات تنموية ومبادرات اقتصادية واسعة.
كما نجحت القاهرة في ترسيخ صورة جديدة لدورها الأفريقي عبر العمل الميداني، خاصة في دول حوض النيل، مؤكدة أن الدفاع عن حقوقها التاريخية في مياه النيل لا يتعارض مع دعم جهود التنمية في الدول الأفريقية، بل إن الهدف المشترك يتمثل في تحقيق التنمية والاستقرار لجميع شعوب القارة.
ويبرز مشروع «جوليوس نيريري» الكهرومائي في تنزانيا باعتباره نموذجًا عمليًا لهذا النهج، إذ يجسد نجاح التعاون المصري التنزاني في تنفيذ أحد أكبر مشروعات الطاقة في أفريقيا، بمشاركة شركات مصرية كبرى، على رأسها «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك»، اللتين أسهمتا في تحويل المشروع إلى أحد أبرز نماذج التعاون التنموي بين دول الجنوب.
وأصبحت هذه الشركات تمثل واجهة للخبرة المصرية في أفريقيا، بعد أن تجاوز دورها تنفيذ المشروعات إلى نقل المعرفة والخبرات وبناء القدرات، بما يعزز التنمية المستدامة داخل الدول الشريكة.
وتنسجم هذه السياسة مع الرؤية التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام 2019، والتي أكدت أن معالجة تحديات الإرهاب والفقر والهجرة غير النظامية والصراعات المسلحة تبدأ من تحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة الشعوب، باعتبار التنمية الضمان الحقيقي للأمن والاستقرار.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، واصلت مصر دعم برامج التكامل الاقتصادي الأفريقي، والمشاركة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، ونقل الخبرات الفنية، والإسهام في تنفيذ أجندة أفريقيا 2063، بما يحول الخطط التنموية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ويعكس هذا النهج قناعة مصرية راسخة بأن مستقبل القارة الأفريقية يرتبط بتعزيز التعاون بين دولها، وأن الاستثمار في تنميتها يمثل استثمارًا مباشرًا في الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل من دبلوماسية التنمية إحدى الركائز الأساسية للدور المصري المتنامي في أفريقيا.