حازم حسين

العداء واحد.. والأعداء ألوان

الخميس، 02 يوليو 2026 02:00 م


تقول الوقائع شيئا؛ فيستخلص الرائى وشاهد العيان منها خلاف ما قِيل. يتغلّب الهوى على ما عداه، ويُصار إلى الأيديولوجيا أو المصلحة الشخصية؛ فيقضى المرء على نفسه بالتناقض والخَطَل وضعف المنطق، وبخفّة العقل وفساد الروح أيضًا.


مليئة حياتنا بالحسن والقبيح من الأمور؛ إنما الأقبح على الإطلاق أن ننزلق إلى مُستنقع الازدواجية، لنحكُمَ فى الواقعة الواحدة بحُكمين مُختلفين، أو مُتضادّين تمامًا؛ لمُجرّد أن قلوبنا المريضة تميل لهذا على حساب ذاك!


تخيّل لو أن شخصًا وقف على تلّة عالية فى جنوب لبنان، يهتف اليوم بأثر رجعى لانسلاخ سعد حدّاد عن الجيش والدولة، ثمّ استمراء أنطوان لَحَد من بعده للخيانة نفسها، والارتماء فى أحضان عدو الخارج، على حساب شقيق الداخل!


ما يُستهجَن من بادئة الطرح، واقع للأسف على الأرض، ويفتئت به المُغرضون على الحجّة واستقامة المبدأ، ويستميتون بكلّ السُّبل فى اصطناع تخريجة له، وليس لتمرير مرارته من حلوق الناس فحسب؛ إنما لإيهامهم بأنها فى كَدَرها ماءٌ زُلال، وفى الصفو شَهدٌ مُصفَّى.


تمكّن الداء من الجميع؛ إلا من رحم اللهُ. ليبراليون يسيرون فى مواكب الأُصولية، وقوميّون يُباركون الطائفية والاستتباع المذهبى، وكثيرون من أهل المَدنية مُنسحقون تحت عمائم بيضاء وسوداء؛ لا مُشترك إلا أنهما يفتئتان على البلاد والعباد، وينزّ منهما الدم.


ما نزال فى أجواء 30 يونيو. انتفاضة لم يتخلّف عنها أحدٌ تقريبًا قبل ثلاث عشرة سنة؛ باستثناء خصمها المُمثّل فى جماعة الإخوان الإرهابية وشيعتها وأتباعها.
وبعدما حقّقت هدفها فى تحييد مُخطط اختراق الدولة، وتقويضها من داخلها، واطمأن المشاركون فيها إلى سلامة الوصول، بدأ فريق منهم يفرز ويُفاضل، ويمسك عصا نفعيّته المقيتة من خاصرتها!


تنادى المُوقّعون على استمارة تمرّد، والمُحتجّون فى ميادين مصر وشوارعها، إلى إطاحة مندوب التنظيم فى الرئاسة، ووضع نقطة فى آخر سطر سياسى مشبوه، كان جليًّا أنه يقود لا محالة للمَلشَنَة، أو استنساخ نظام الولىّ الفقيه فى إيران.


وضع الساسة أياديهم فى الماء البارد؛ ثم بدأوا يُنظّرون على الشارع والمؤسسات. وأخذ تيّار منهم يفصل بين محطات «الثورة»، ويعزل يوم 30 يونيو، عن خارطة الطريق فى 3 يوليو!


كأن الأهداف ستتحقق من تلقاء نفسها، أو الحل مع عدم استجابة المُرشد وعصابته، أن تُترَك لهم الأوضاع على اختلالها، مع إمهالهم فسحة للخلاص من مُعارضيهم، كيانات وأفرادًا، ورسميين أو شعبيين!


لم يكن الخلاف مع الجماعة شكلانيًّا، ولا على تركيبة الحكومة أو حصصها وألوانها. لم يكن على الولاية الرئاسية، أو حجّية الصناديق خلالها، وصلاحيتها بعدها. كان النزاع على الجوهر، على الهُويّة، وصيغة البلد، وطبيعة العلاقات داخلها مرحليا وعلى المدى الطويل.


والحصيف اليقظ لم ينسَ لهم أنهم كانوا خنجرًا فى خاصرة القوى الوطنية منذ نشأتهم، تأسسوا بدعم من الاحتلال، وألحقوا أنفسهم بالقصر ضد الوفد وقاعدته. ولغوا فى الدم والمال الحرام، تحالفوا مع ضباط يوليو ثمّ عادَوهم، وأبرموا صفقة مع السادات قبل أن ينقلبوا عليه ويقتلوه.


تفجّرت أيّام يناير فجأة، وقلّبت الأرض من تحت الأقدام؛ فسيّلت المجال العام، وساوت فى المكان بين الوضيع والرفيع؛ فيما تحدّدت المكانة بالحشد والمقدرة، وكانوا أسبق فيهما على كل المنافسين.


بين يومٍ وليلة نصّبوا أنفسهم فى طليعة الثوّار، هرّبوا مسجونيهم ووضعوهم فى واجهة المشهد، وجلسوا إلى رأس الطاولة يُقسّمون الكعكة؛ ثمّ يقضمون أنصبة الآخرين، وقد اعتبَروا أنه التمكين المُنتظَر!


ما امتلك أحدٌ الجرأة على أن يُجاهر بحقيقة الجماعة، وما تكشّف لاحقًا عن الخيانة والاستتباع والعمل لصالح دول وأجهزة على كل شكل ولون. أنكروا ما أُثبِت بأدلّة قاطعة بعد يونيو، وما جاهر به مُرشدهم الأسبق به قبلها بسنوات.


تربّى مهدى عاكف على يد حسن البنا شخصيا، وأُدِين فى تنظيم سيد قطب، وأدار الجماعة ستّ سنوات. ولا يُنسَى له الحوار الشهير عندما قال بملء الفم، ومُنتهى السفالة والانحطاط: «طظ فى مصر”.


كانت الجُملة قمعًا خشنًا لاعتراض محاوره، سعيد شعيب، على قبول المُرشد لأن يُحكَم البلد بأية جنسيّة، طالما كان الحاكم مُسلِمًا، وأنه لا يعُدّ ذلك احتلالاً.
يتّصل الأمر بدعوى استعادة الخلافة، وقد سار فيها البنا مع أستاذه رشيد رضا، ثمّ أعاد تكييفها ضمن مسألة «الأستاذية»، بما يُنتج نسخة عقائدية تتسيّدها جماعته؛ فكأنه النظام القديمة بوَشمٍ إخوانى.


على تلك الأرضية، لا معنى للوطنية من الأساس، ويُزدَرَى الوطن تمامًا، بحسب ما عَدّه قطب «حفنة تُراب عَفِن»، فيكتمل التصوّر الذى لا يرى فيه التنظيم وضع نفسه فوق الدولة والدستور خطأ، ولا تقديم مصالحه وحلفائه على البلد وأهله خيانة.


يعلو المذهب على الدين، الدويلة فوق الدولة، والتنظيمىّ البعيد قبل المواطن القريب. هكذا الإخوان، وكل طائفة مُغلقة على ذاتها، وحزب الله الذى لا يخجل من القول إنه «إيران فى لبنان”!


ولا يعود القرار ملكيّة خالصة للجغرافيا وساكنيها؛ بل يُنتَزَع من المَعنيِّين به، والمُتضررين من خطاياه، ليخدم مصالح أطراف أُخرى، تتضاءل أمامها رابطة الجغرافيا والمواطنة!


كان «لَحَد» يُقدّم مصالح الصهاينة على اللبنانيين، وهكذا فعل الراحل حسن نصر الله، إنما لصالح الإيرانيين، ويفعل خليفته نعيم قاسم؛ وإن أنكر وادّعى خلاف ما يراه الناس بأُمِّ عيونهم!


يُعادى الناصريون الإخوان لأنهم حاولوا اغتيال عبد الناصر، وسعوا لامتلاك ميليشيا سريّة تضطلع بالأعمال القذرة. ويُرحبون بالحزب الذى اغتال رئيس الوزراء رفيق الحريرى، ويُعوّض إخفاقات سلاحه مع العدو، بتوجيه البنادق إلى صدور الأشقاء!


إمّا دولة أو لا دولة، ولا معنى لأى شىء آخر، وتحت أى ظرف. إسرائيل مُجرمة وإباديّة وتحتل أرضًا؛ لكن إيران لا تُوزّع الورد، واستعمار القرار لا يختلف كثيرًا عن ابتلاع الخرائط؛ بل إنه المُسبِّب الأساسى أصلاً للاحتلال فى الحالة الراهنة.


ميليشيات تُناطح أوطانها، وترميها بما فيها من عمالة وهشاشة وترخًّص. رديئة قطعًا، إنما الأردأ والأكثر انحطاطًا مَن يذبحون عصافير المنطق تحت أقدامها، ويختمون فواجع البلد فى نُخبِها وكُتّابها ومُفكّريها وساستها بالدم، وبالشراكة فى إثم إراقته، والرقص المُبتذَل على آهات النازفين!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة