قد يقضى المجرم أسابيع أو أشهر في التخطيط لجريمته، ويظن أنه أحكم كل التفاصيل، فيخفي السلاح، ويتخلص من الملابس، ويمحو آثار أقدامه، لكن في النهاية قد يسقط بسبب خطأ واحد فقط.. بصمة، أو رسالة، أو كاميرا، أو حتى شريحة هاتف نسى أنها كانت تعمل وقت ارتكاب الجريمة.
ومع التطور الكبير في وسائل البحث الجنائي، لم تعد الجريمة الكاملة موجودة بالمعنى التقليدي، إذ أصبحت التكنولوجيا والطب الشرعي والأدلة الرقمية قادرة على إعادة بناء مسرح الجريمة دقيقة بدقيقة، حتى وإن حاول الجاني محو كل ما يدينه.
أخطاء قاتلة أسقطت أخطر المجرمين
ولعل واحدة من أشهر القضايا التي أثبتت ذلك، كانت قضية الإعلامية شيماء جمال، فالمتهم الرئيسي لم يكتفِ بقتل زوجته ودفن جثمانها داخل مزرعة، بل حاول تشويه الجثمان بمادة حارقة، وأتلف كاميرات مراقبة مرتبطة بمسرح الجريمة لإخفاء الأدلة.
إلا أن هذه المحاولات لم تنجح، إذ استعادت النيابة العامة البيانات الإلكترونية، وأثبتت كاميرات أخرى تحركات المتهم، كما كشفت البصمة الوراثية وجود آثار المتهمين على قطعة القماش المستخدمة في الجريمة، وأكدت بيانات شرائح الهواتف وجودهم في محيط المزرعة وقت ارتكابها، لتنهار خطة إخفاء الحقيقة بالكامل.
وفي قضية مقتل طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف، لم تكن كاميرات المراقبة وحدها هي الدليل، بل كشفت الرسائل التي أرسلها المتهم إلى المجني عليها قبل الجريمة عن تهديدات متكررة، واستندت النيابة إلى تلك الرسائل، إلى جانب تسجيلات الكاميرات، لإثبات سبق الإصرار والترصد، وهو ما عزز أدلة الاتهام أمام المحكمة.
كما كشفت التحقيقات في قضية مقتل طبيبة التجمع، التي شغلت الرأي العام، أن محاولة المتهم إخفاء الجريمة لم تمنع رجال المباحث من تتبع خط سيره عبر كاميرات المراقبة وتحركات الهاتف المحمول، إلى جانب الأدلة الفنية التي قادت إلى كشف ملابسات الواقعة وضبط المتهم.
وتؤكد هذه الوقائع أن الجناة، مهما بلغ حرصهم، يتركون خلفهم أثرًا لا ينتبهون إليه، فقد تكون رسالة محذوفة يمكن استعادتها، أو كاميرا مثبتة في شارع جانبي، أو بصمة وراثية على قطعة ملابس، أو حتى هاتف محمول سجل وجود صاحبه في مسرح الجريمة.
ويؤكد خبراء الأدلة الجنائية أن المجرم قد ينجح في التخلص من أداة الجريمة، لكنه يصعب عليه التخلص من كل الآثار البيولوجية أو الرقمية التي يتركها خلفه دون قصد، وهو ما جعل الأدلة العلمية تتقدم على الاعترافات وشهادات الشهود في كثير من القضايا.
ولم يعد رجال البحث الجنائي يعتمدون فقط على أقوال المتهمين، بل أصبحت التكنولوجيا شريكًا رئيسيًا في التحقيق؛ كاميرات المراقبة، وتحليل الهواتف، والبصمة الوراثية، وتتبع التحركات، كلها أدوات نجحت في إسقاط متهمين ظنوا أن جرائمهم كاملة.
وفي النهاية، تثبت صفحات الحوادث يومًا بعد يوم أن القاتل قد يمحو بعض الأدلة..لكنه لا يستطيع أن يمحو كل شيء، فهناك دائمًا خطأ صغير ينتظر من يكتشفه، ليقود إلى الحقيقة مهما طال الوقت.