دخلت حفل زفاف ابنة شقيقتي وأنا أعرف مسبقًا تقريبًا كيف ستسير الليلة.. زفة صاخبة، أغانٍ مصرية شعبية، وجرعة لا بأس بها من موسيقى المهرجانات التي أصبحت جزءًا أصيلًا من حفلات الزفاف المصرية، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في حساباتي.
توقفت الموسيقى للحظات، ثم انطلقت إيقاعات مختلفة تمامًا. خلال ثوانٍ، دخلت فرقة دبكة، شباب يلتحفون بالكوفية الفلسطينية وبدأوا يؤدون الدبكة الفلسطينية بحماس لافت على أنغام أغاني عدة، أشهرها "أنا دمي فلسطيني". كانت القاعة تصفق وتغني، بينما وضع أحد أفراد الفرقة الشال الفلسطيني على كتف العريس، في مشهد بدا عفويًا لكنه كان يحمل دلالة أكبر من مجرد لقطة جميلة في ليلة زفاف. فالرموز حين تغادر ساحات السياسة إلى فضاءات الفرح، تكون قد بلغت مرحلة جديدة من حضورها الثقافي.
الأكثر إثارة أن الدبكة لم تأتِ بديلًا عن الحالة والطريقة المصرية، بل امتزجت بها. قبل الدبكة وبعدها، كانت الأغاني المصرية ومنها الشعبية والمهرجانات وأغاني الزفاف التقليدية. لم يكن أحد يشعر بأن هناك تناقضًا بين هذه العوالم الموسيقية المختلفة، بل بدا الأمر طبيعيًا للغاية، كأن الدبكة الفلسطينية أصبحت واحدة من فقرات الفرح المصري المعتادة. هذا الامتزاج يكشف أن الثقافة الشعبية لا تعرف الحدود الصارمة التي تفرضها التصنيفات الفنية، بل تلتقط ما يمس وجدان الناس وتعيد دمجه داخل سياقها الخاص. كما يعكس قدرة أغاني المهرجانات المصرية، بوصفها الموسيقى الأكثر حضورًا بين الشباب، على استيعاب رموز وقضايا عامة من دون أن تفقد طبيعتها الاحتفالية.
بعد انتهاء الحفل سألت عددًا من الأصدقاء: هل ما شاهدته حالة استثنائية؟ فجاءت الإجابة متشابهة: "لا... هذا أصبح يحدث في معظم الأفراح".
حينها أدركت أننا لسنا أمام موضة عابرة، بل أمام ظاهرة ثقافية تستحق التوقف عندها. فالزفاف ليس مجرد مناسبة اجتماعية، لكنه مرآة دقيقة لما يشعر به المجتمع. الأغاني التي يختارها الناس، الرقصات التي يتحمسون لها، الرموز التي يرفعونها، كلها تعكس ما استقر في وجدانهم. لذلك فإن دخول الدبكة الفلسطينية إلى الأفراح المصرية لا يمكن فهمه باعتباره مجرد إضافة فنية، بل باعتباره تعبيرًا عن حضور فلسطين في الوعي الشعبي المصري بصورة غير مسبوقة، ففي علم الاجتماع الثقافي تُعد طقوس الاحتفال من أكثر المؤشرات دقة على التحولات العميقة في المزاج العام، لأنها تنشأ تلقائيًا ومن دون توجيه أو قرار.
لقد فعلت حرب غزة ما تعجز عنه أحيانًا الخطب السياسية. فقد أعادت فلسطين إلى قلب الحياة اليومية للمصريين، لا باعتبارها قضية بعيدة، بل باعتبارها قضية تخصهم وجدانيًا. مع مرور الوقت لم يعد هذا التعاطف يظهر فقط في التبرعات أو المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، إنما بدأ يتسلل إلى تفاصيل الحياة نفسها، حتى إلى الأفراح التي تمثل ذروة الفرح الإنساني. وهذه إحدى صور القوة الناعمة للقضايا العادلة.
اللافت أن المصريين لم يستوردوا الدبكة كما هي، بل فعلوا معها ما يفعلونه دائمًا مع كل فن يصل إليهم، أعادوا تمصيرها. امتزجت بإيقاع المهرجانات، تجاورت مع الأغاني الشعبية، أصبحت جزءًا من برنامج الـDJ في ليلة الزفاف، من دون أن تفقد هويتها الفلسطينية أو أن تفقد الأفراح المصرية شخصيتها الخاصة، لعل هذه القدرة على "تمصير" الفنون الوافدة هي أحد أسرار استمرار الثقافة المصرية، فهي لا تنسخ ما يأتيها، إنما تعيد إنتاجه وفق ذائقتها المحلية.
هذه القدرة على استيعاب الثقافات ليست جديدة على المصريين. فالثقافة المصرية عبر تاريخها لا تلغي ما يأتي إليها، بل تحتويه وتمنحه نكهتها الخاصة. لهذا لم نشعر أن الدبكة تنافس الرقصات المصرية، بل بدت كأنها وجدت مكانًا طبيعيًا بينها، مثل ضيف أصبح من أهل البيت، لهذا السبب تحديدًا لم يُنظر إلى الدبكة باعتبارها عنصرًا غريبًا، بل باعتبارها إضافة تثري المشهد الاحتفالي ولا تنتقص من هويته.
الدبكة ذاتها ليست مجرد رقصة فولكلورية. إنها رقصة جماعية تقوم على وحدة الصف والإيقاع، وعلى إحساس المشاركين بأنهم يتحركون كجسد واحد. ربما لهذا السبب وجدت كل هذا القبول في مصر، فهي تعبر عن قيمة يحبها المصريون بطبيعتهم: المشاركة الجماعية في الفرح، كما أن طبيعتها الجماعية تتقاطع مع الروح المصرية في الاحتفال، حيث يصبح الجميع شركاء في صناعة الفرح، وليسوا مجرد متفرجين عليه.
المشهد الذي رأيته في هذا الزفاف جعلني أتساءل: هل نحن أمام ظاهرة ستختفي مع مرور الوقت، أم أنها بداية لطقس جديد من طقوس الأفراح المصرية؟ لا أملك الإجابة. لكن المؤكد أن الثقافة الشعبية لا تتبنى شيئًا بهذا الانتشار إلا إذا وجدت فيه ما يعبر عنها.
ربما بعد سنوات سيدرس باحثون هذه الظاهرة باعتبارها واحدة من نتائج اللحظة التاريخية التي عاشها العرب بعد حرب غزة، وسيقولون إن التضامن لم يقتصر على السياسة أو الإعلام، بل وصل إلى الموسيقى والرقص والاحتفال. وربما تصبح هذه الظاهرة مثالًا يُدرّس على انتقال الرموز الوطنية من المجال السياسي إلى الثقافة الشعبية، وهي مرحلة لا تبلغها إلا القضايا التي تنجح في ترسيخ نفسها داخل الوجدان الجمعي، فالشعوب لا تحفظ ذاكرتها في الكتب وحدها، إنما تحفظها أيضًا في أغانيها وطقوسها اليومية.
شاهدت لحظة تقول الكثير عن المصريين. فهم لم يتخلوا عن أغانيهم ولا عن مهرجاناتهم، لكنهم فتحوا مكانًا في أفراحهم للدبكة الفلسطينية، ولأغنية "أنا دمي فلسطيني"، وللشال الفلسطيني على كتف عريس مصري.
ربما في هذا المشهد البسيط تكمن الحكاية كلها، فحين تجد قضية مكانًا لها في أفراح الناس، فإنها تكون قد تجاوزت حدود السياسة، وأصبحت جزءًا من وجدانهم، من ذاكرتهم، من الطريقة التي يحتفلون بها بالحياة.