التاريخ حلقات متصلة، ولا فواصل بين السنوات، تنتهى لتبدأ، بل هى تفاصيل وتفاعلات، واليوم ونحن نقف على بعد 13 عاما من 30 يونيو/ و15 عاما من 2011، نكتشف كيف مرت السنوات كبيسة وحبلى بالتحولات الكبرى، منذ انتفض المصريون فى مواجهة حكم المرشد والتنظيم السرى، واختاروا إنقاذ البلد من الفتنة والضياع، وجدوا أنفسهم يواجهون إرهابا فكك دولا، وبالرغم من أنه ماض قريب يبدو بعيدا، حيث تتراكم الأحداث بشكل يضاعف من الأحداث فى الزمن، حيث قفز تنظيم الإخوان لاحتلال الصدارة، وألقوا أقنعتهم بسرعة، تصوروا أنهم خدعوا الجميع وضحكوا على السذج، فى «فيرمونت» ليطيحوا بالجميع، وبعض من شاركوا فى المنصة ما زالوا غير قادرين على الاعتراف بالجرم.
هذه السنوات تكشف كيف يكون الواقع أكثر تعقيدا من مجرد مطالب نظرية، وكيف تحولت مطالب التغيير إلى قفز فى مجهول، وتسلق انتهازيون وقطاع طرق، بل إن إرهابيين ومتطرفين خرجوا من السجون ليتصدروا الصفوف علنا، ليخرج من باطن الكهوف إرهابيون وانتهازيون أرادوا إعادة التاريخ وإنشاء نظام حكم غير مسبوق فى تخلفه، لتتحول أحلام التغيير إلى كوابيس، تقسيم الناس طائفيا وعرقيا، مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، إعلان إنشاء ميليشيات موازية للجيش والشرطة، وانتبه المصريون إلى محاولات التقسيم وبوادر حرب أهلية، شهدوها ولا تزال نتائجها تدور علنا وعلى الهواء فى الإقليم. نجت مصر من مستنقع الفوضى، ومصائر دول ذهبت إلى الضياع أو واجهت حكم الميليشيات، واضطر مواطنوها للهروب كلاجئين وقودا لحروب بالوكالة.
13 عاما واجه المصريون والدولة الاختبارات، وبجانب الإرهاب كان على الدولة استعادة الاقتصاد والبدء فى عملية بناء وتخطيط للبنية الأساسية وملفات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة، تحمل المصريون بصبر وإخلاص انعكاسات الإصلاح الاقتصادى الضرورى والروشتة المرة لدواء لا بد منه، هزموا مع الإرهاب الفيروس الكبدى الوبائى، والعشوائيات، وجائحة كورونا، وربما يكون أهم دروس يونيو أن التغيير لا يتوقف وأن الحلم يفترض أن يتسع ليستوعب الجميع، ضمن إعادة الاصطفاف، والمناقشة حول المستقبل انطلاقا من ثمار 13 عاما ، وما نزال نشير إلى نتائج وتوصيات الحوار الوطنى فى السياسة والاقتصاد وتوسيع العقد الاجتماعى ليستوعب الجميع، ويتفهم مطالب الناس، ليدعم الصناعة والاقتصاد المنتج، وبناء الثقة وإقامة جسور بين الدولة والتيارات السياسية والمنظمات الأهلية، لتكون أرضية يمكن أن تمهد لجمع الشمل والبناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية، واستعادة وحدة الصف لتحالف 30 يونيو، التى اجتمع فيها المصريون، ليتسع لهم طريق للتفاهم والتحاور، أيا كانت الخلافات يفترض أن تتم ضمن صيغة تسمح للجميع بالمشاركة وعدم السماح بالعودة إلى تجربة اختطاف الدولة.
لقد نجحت مصر بشعبها فى الصمود أمام تحولات ضخمة، داخليا وخارجيا، وأصبح لسياسات مصر الخارجية علامتها المميزة، مع المسارات السياسية وضد التدخلات الخارجية ومع بناء نظام إقليمى متوازن يقوم على الثقة والحوار، لتصبح لاعبا إقليميا له وجهة نظر ومسارات سياسية واضحة، وهو دور يحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى انحاز من البداية للشعب واختار الطريق الصعب، مع القوات المسلحة، حماية الشعب والدولة وتثبيت أركانها.
الشعب المصرى لعب دورا محوريا فى تغيير مسار الأحداث من خلال وعيه المرتفع جدا، ما مكنه من تغيير المعادلة بسرعة رغم التحديات والضغوط الخارجية، وهو «بطل الحكاية» فى مواجهة أجهزة وتمويلات ومنصات وتحريض ولجان وتشكيك، وما زالت الخيارات قائمة والتحديات تتفاعل، وسر نجاح المواجهة وحدة الدولة والشعب، والمشاركة فى الأعباء والفرص.
