في قلب صحراء البحر الأحمر نشأت قرية الشيخ أبو الحسن الشاذلي، في وادي حميثرا، وتبعد عن القاهرة حوالي ألف كيلو متر، وتشعر أنها سقطت من جغرافيا مصر العربية، حيث يعيش أهل القرية من قبيلة العبابدة، أكثر من خمسة آلاف نسمة، يعيشون بلا مياه أو كهرباء، يعيشون على مولدات الكهرباء التي تعمل بالسولار، نصف الوقت، ونصف الوقت الآخر وفي عز الصيف ومع شدة حرارة الصحراء بلا كهرباء، والمياه تصل لهم من مدينة مرسى علم عبر تنكات كبيرة من البلاستيك، وإداريًا تتبع قرية الشاذلي مدينة مرسى علم محافظة البحر الأحمر التي تبعد عنها 160 كيلو مترًا، وأقرب قرية لها بها مياه وكهرباء قرية برنيس، تبعد عنها 125 كيلو مترًا، وتبعد عن مدينة القصير 250 كيلو مترًا، وتبعد عن مدينة حلايب 165 كيلو مترًا، وتبعد عن مدينة شلاتين 216 كيلو مترًا، وتبعد عن مدينة قنا 400 كيلو مترًا، وتبعد عن مدينة إدفو بمحافظة أسوان 180 كيلو مترًا، والقرية تسكن وادي حميثرا، ومن الشرق جبل حميثرا، الذي يُطلق عليها العامة: جبل الراحة، ومن الغرب سلسلة جبال عيذاب التي تمتد حتى ساحل البحر الأحمر.
جامع الشاذلي بين التأسيس والتطوير
ولد علي بن عبد الله بن عبد الجبار أبو الحسن بن يوسف الشاذلي، المنتهي نسبه إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا، عام 1197 ميلادية، الموافق عام 571 هجرية، بقبيلة الأخماس الغمارية، إحدى قبائل الأمازيغ الكبرى، ولد بقرية قريبة من مدينة سبتة المغربية، ورحل إلى تونس سالكًا طريق الزهد والتصوف، واتجه إلى قرية شاذلة في تونس، وعاد إلى مصر عام 1244 ميلادية، وأسس مدرسة الشاذلية الصوفية، وعاش بالإسكندرية وتزوج وأنجب أولاده: شهاب الدين أحمد، أبو عبد الله محمد شرف الدين، أبو الحسن علي، وابنته: زينب التي تزوجها سيدي أبو العباس المرسي.
وتوفي الشاذلي بصحراء حميثرا وهو في طريقه للحج أوائل شهر ذي القعدة سنة 656 هجرية الموافق شهر ديسمبر سنة 1258 ميلادية، عن عمر 61 عامًا، وتولى تلميذه وزوج ابنته المرسي أبو العباس غُسله ودفنه بصحراء حميثرا، وأقام أبو العباس فوق ضريحه غرفة صغيرة، وظلّ ضريحه مقصدًا لزواره من الأحباب والمريدين أكثر من سبعمائة سنة، حتى تم بناء مسجدًا صغيرًا بجوار الضريح خوفًا من الاندثار خلال الفترة من عام 1915 حتى عام 1925، وفي عام 2006 قامت وزارة الأوقاف بهدم المسجد القديم، وإعادة بناء جامع أبو الحسن الشاذلي وتوسعته في مبنى مستقل بجوار المقام والضريح، وتكلفت عملية البناء بعد التوسعة ثمانية مليون جنيه، تحملت الطريقة الشاذلية سبعة مليون جنيه، وساهمت وزارة الأوقاف بمليون جنيه، واستمرت عملية بناء جامع الشاذلي 8 سنوات، حتى افتتح رسميًا في يونيه 2014، ويتبع الجامع إدارة أوقاف مدينة مرسى علم بوزارة الأوقاف، واستمرت عملية تطوير المسجد خلال الفترة من عام 2017 حتى عام 2024، وبلغت التوسعة الكبرى للجامع مساحة 3200 ثلاثة آلاف ومائتي متر، بعد إضافة قبة كروية وأربعة مآذن؛ ليصبح واحدًا من أهم المزارات للطرق الصوفية، يفد إليه ألاف الزوار من مصر وكل البلاد العربية والإفريقية والإسلامية لحضور مولد الشاذلي.
ميناء عيذاب وميناء القصير
يُعدّ ميناء عيذاب وميناء القصير من أهم الموانئ والمسارات البحرية التاريخية في مصر على ساحل البحر الأحمر، والتي لعبت دورًا محوريًا في العصور الإسلامية والفرعونية كطرق ربط رئيسية بين وادي النيل والبحر الأحمر، ويقع ميناء عيذاب شمال مدينة حلايب بنحو 20 كيلو متر؛ ولهذا يُعدّ البوابة الجنوبية لطريق الحجاج والتجارة، فقد كان الميناء الرئيسي لحجاج مصر وبلاد المغرب العربي، خاصة بعد أن أغلق الصليبيون طريق الحج عبر الشام.
كانت القوافل تتجه من نهر النيل (عبر قفط وقوص) عبر الصحراء الشرقية وصولًا إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر، ومنها تُبحر السفن إلى ميناء جدة، كما كانت محطة رئيسية لتجارة التوابل والبخور الواردة من الهند واليمن وشمال أفريقيا، ولمدينة عيذاب أهمية دينية أخرى، تتمثل في نقل كسوة الكعبة من مصر إلى مكة المكرمة، ففي عهد الفاطميين، وتحديدًا في توقيت الحروب الصليبية وعقبها، كانت تمرّ كسوة الكعبة من خلال مراكب من القاهرة في نهر النيل، وصولًا إلى مدينة قوص جنوب مدينة قنا، ثم يتم تحميل كسوة الكعبة على هوادج الجمال، وتسلك طريقها في الصحراء متوجهة لميناء عيذاب، ثم يتم تحميلها على المراكب وتسلك طريق البحر متجهة إلى بلاد الحرم المكي، واستمر ذلك الوضع حتى عهد المماليك، إلا أنها كانت تُبحر للأراضي المقدسة من ميناء القصير القديم، وكانت كسوة الكعبة المشرفة تُصنع بأيادٍ مصرية من الحرير الأسود الفاخر المُطرّز بخيوط الذهب والفضة في (دار الكسوة) بحيّ الخرنفش وسط القاهرة والتي أنشئت في عصر محمد علي، وتتولى الحكومة المصرية إرسالها إلى مكة المكرمة في موكب مهيب يُعرف بـالمحمل الشريف لأكثر من ألف عام، وتحديدًا منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب حتى عهد الرئيس جمال عبد الناصر؛ حيث يخرج المحمل حاملًا الكسوة في موكب احتفالي ضخم يشبه العيد، ويطوف شوارع القاهرة وسط ابتهاج شعبي وحضور رسمي مُتجهًا في رحلة تستمر نحو 40 يومًا عبر الأراضي وصولًا إلى مكة المكرمة، ولكن توقف إرسال الكسوة من مصر نهائيًا عام 1962، بعد بناء مصنعًا لكسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة.
أمّا ميناء القصير فيقع في مدينة القصير التاريخية بمحافظة البحر الأحمر، شمال ميناء عيذاب، الذي استُخدم منذ العصور الفرعونية (مثل رحلات الملكة حتشبثوت إلى بلاد بونت/ الصومال)، وكان الميناء الرئيسي في عهد البطالمة والرومان (باسم: ميوس هورموس)، وكان مسار الحج والتجارة (طريق قفط ــــ القصير) طريقًا بريًا يربط نهر النيل (مدينة قفط/ قنا) بالبحر الأحمر عند ميناء مدينة القصير، ومنه تبدأ الرحلة البحرية إلى الأراضي المقدسة، وكان هذا المَمرّ هو نقطة الانطلاق السنوية لنقل كسوة الكعبة من مصر إلى أرض الحجاز؛ لكن اختلف مسار الوصول إليهما من الداخل؛ فكانت قوافل (عيذاب) تنطلق من منطقة قوص/ فقط؛ لتشق جنوب الصحراء الشرقية، بينما كانت قوافل (القصير) تعبر الصحراء انطلاقًا من منطقة مدينة قنا، وفي نفس التوقيت التي كانت ترسل فيه كسوة الكعبة من ميناء القصير كان حجاج بيت الله الحرام يغادرون لأداء الحج من الطريق نفسه، حيث ازدهرت التجارة بمنطقة القصير، حتى عرفت بأكبر مدينة تجارية على ساحل البحر الأحمر في ذلك الوقت، وكانت التكية المصرية في بلاد الحجاز لا تزال موجودة، وكانت ترسل كسوة الكعبة من مصر، وترسل معها عدة مراكب، حيث تحمل كل مركب حوالي ألفين ونصف
أردب من القمح والعدس والفول والشعير والزبدة لخدمة حجاج بيت الله الحرام.
رحلة الحج البريّ قوص- جدة
تبدأ رحلة الحجاج من نقطة التجمع التي كانت تعرف باسم بركة الحاج تتبع حيّ المرج شمال شرق القاهرة، وتبدأ قافلة الحجاج في التحرك والسفر عن الطريق البري إلى مدينة قوص بمحافظة قنا حاليًا، وكانت القافلة تسير بمحاذاة نهر النيل وتقطع مسافة 640 كيلو، وبعد الاستراحة بمدينة قنا يستكمل الحجاج السير في القوافل مُتجهين شرقًا، قاصدين ميناء عيذاب/ حاليًا ميناء القصير بالبحر الأحمر، وكانت الرحلة تبدأ قبل شهر رمضان، وبعد وصول القافلة لميناء عيذاب، ينتظر الحجاج السفن التي تنقلهم مع أمتعتهم ودوابهم إلى شاطئ البحر الأحمر الشرقي، حيث ينزلون بميناء جدة، وظلّ هذا الطريق هو الطريق الرسمي للدولة الأيوبية، إذ سلكت السلطانة شجرة الدر، زوجة الملك الصالح أيوب، آخر ملوك الدولة الأيوبية، درب الحج المصري القديم عام 645 هجرية، الموافق 1247 ميلادية؛ ولذلك اعتبر الطريق مسلكًا رئيسيًا للحجاج كونه أقصر، بعد أن أعادت الحروب الصليبية قوافل الحجاج مُجدّدًا إلى طريق: القاهرة - عيذاب – جدة؛ لأنهم تركوا درب الحجاج من السويس إلى سيناء، تجنبًا للمرور بأرض الشام، حيث تدور المعارك الصليبية.
قرية الشاذلي ومطالب عادلة
نشأت قرية الشاذلي بجوار مقام الشاذلي، في وادي حميثرا/ وادي المحبين، الذين تجمعهم محبة سيدي أبو الحسن الشاذلي، ويسكنها أكثر من خمسة ألاف نسمة من أبناء قبيلة العبابدة الذين يعتمدون على رعي الإبل والماعز والأغنام، ويعمل بعضهم في حراسة مناجم الذهب، أو في حراسة محاجر الرخام، حيث تقوم الكثير من المحاجر على تقطيع جبال الجرانيت إلى كتل الرخام ونقلها بسيارات النقل الثقيلة للمدن المجاورة أو تصديره للخارج، ومع تزايد أعداد الزائرين، تحولت القرية لمركز تجاري بسيط يوفر الطعام، والعطارة، والحلويات للوافدين الزائرين خاصة موسم المولد.
وقرية الشيخ الشاذلي تضم 100 ساحة للطرق الصوفية، حول جامع وضريح سيدي أبو الحسن الشاذلي، وتستقبل ألف زائر يوميّ الخميس والجمعة من كل أسبوع، وتستقبل مليون زائر كل سنة احتفالا بمولد سيدي أبو الحسن الشاذلي، نعم قرية الشاذلي بها وحدة صحية وسيارة إسعاف؛ لكن أكد لي أحد مشايخ القرية أن الوحدة الصحية لا يوجد بها علبة دواء واحدة، وأضاف قائلا: عندما يمرض واحد من أهالي القرية، تحمله الإسعاف أو إحدى السيارات الخاصة ونذهب به إلى قرية برنيس التي تبعد 125 كيلو مترًا، أو تحمله الإسعاف إلى مدينة مرسى علم التي تبعد عن القرية 160 كيلو مترًا، وعلى الرغم من هذا الزحام لا يوجد أي فرع من فروع الشركات التجارية التي توفر السلع الغذائية الأساسية، ويعيش أهل القرية تحت رحمة المولد الكهربائي الذي يعمل عدة ساعات، ويتوقف مرتين أو ثلاث مرات كل يوم، وخلال الفترة التي قضيتها زائرًا للقرية من صباح الأحد 24 مايو حتى الأربعاء 27 مايو 2026، كانت الكهرباء تقطع من الساعة السابعة صباحًا وحتى الواحدة ظهرًا، ثم تقطع من الساعة الثانية ليلا حتى السادسة صباحًا، توفيرًا لثمن السولار، حتى أنني صليت فجر يوم العيد مع مئات المصلين في جامع أبو الحسن الشاذلي وسط الظلام؛ فمتى تهتم الدولة مُمثلة في مدينة مرسى علم أو محافظة البحر الحمر بقرية الشيخ الشاذلي وتضع خطة توصيل خطوط الكهرباء والمياه للقرية محل التنفيذ مرة أخرى بعد أن توقفت الخطة بعد فوضى ثورة يناير 2011؟!
كذلك سمعت أن جهاز مدينة مرسى علم يقوم بتخصص قطع أراض مساحتها 200 متر لكل ساحة من ساحات الطريق الصوفية مقابل مليون و200 ألف جنيه أو مليون و300 ألف جنيه أو مليون و500 ألف جنيه بحسب موقع المساحة وتميزها، والسؤال لماذا لا يتم توجيه هذه الملايين لتجهيز البنية التحتية للقرية من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي؟ فالقرية الآن باتت قبلة للسياحة الدينية التي لو تم الاهتمام بها لكسبت الدولة ملايين الجنيهات من الزائرين لمقام سيدي أبو الحسن الشاذلي كل عام.
قائمة التراث الثقافي واليونسكو
طريق الحجاج القديم: قوص .. عيذاب، الذي كان يربط مدينة قوص/ محافظة قنا، عبر الصحراء الشرقية بميناء عيذاب القديم/ القصير حاليًا على البحر الأحمر، هذا الطريق الذي كتب عنه الكثير من الرحالة مثل: ابن جبير، وابن بطوطة، وكتب عنه الكثير من المؤرخين مثل: المقريزي، وياقوت الحموي، والإدريسي، وكذلك كتب عنه الكثير من المستشرقين مثل: المستشرق الفرنسي جان كلود جارسان، كل هؤلاء أسهموا في شهرة طريق الحجاج البري الذي استمر 400 سنة، من القرن الخامس الهجري حتى القرن الثامن الهجري، وكذلك مدينة قوص التي أصبحت ذات شهرة عالمية، ليست فقط لأنها محطة مهمة في طريق الحجاج البري؛ بل لأنها أصبحت طريقًا للعلم، وباتت أهم المراكز التجارية الجاذبة للتجارة من بلاد الهند والشام والجزيرة العربية واليمن وغيرها؛ ولهذا يطالب الكثير من الباحثين وعلماء الآثار بتسجيل طريق الحجاج البري: قوص ... عيذاب، الطريق التاريخي والأثري الذي كان يسلكه الحجاج بقائمة التراث الثقافي بمنظمة اليونسكو.