القرآن الكريم كتاب هداية وعقيدة وأخلاق، وليس كتاب تاريخ أو جغرافيا أو أنساب بالمعنى التفصيلي. ولذلك نجده يذكر من القصص والأحداث ما تتحقق به العبرة والموعظة، ويترك كثيرًا من التفاصيل التي لا يترتب على معرفتها عمل أو حكم شرعي.
فعلى سبيل المثال، تحدث القرآن عن طوفان سيدنا نوح عليه السلام، لكنه لم يبين بصورة قاطعة هل كان الطوفان خاصًا بقوم نوح أم شمل الأرض كلها كما لم يبين هل البشر جميعًا بعد الطوفان من ذرية نوح وحده أم كان هناك أقوام آخرون لم يشملهم الطوفان.
وتحدث القرآن عن العبد الصالح الذي لقيه سيدنا موسى عليه السلام، واشتهر بين الناس باسم الخضر، لكن القرآن لم يذكر اسمه صراحة، لأن العبرة ليست في الاسم وإنما في الدرس المستفاد من القصة.
وكذلك في قصة أصحاب الكهف، لم يحدد القرآن عددهم، بل أشار إلى اختلاف الناس في ذلك، ثم صرف الأنظار إلى المغزى من القصة لا إلى عدد أصحابها.
كما أخبرنا القرآن عن يأجوج ومأجوج، لكنه لم يحدد على وجه التفصيل من هم أو أين هم أو ما هي أصولهم، رغم كثرة ما قيل ويقال عنهم عبر القرون.
وهنا يثور سؤال مهم: إذا كان القرآن قد سكت عن هذه التفاصيل، فهل كلفنا الله بالبحث عنها؟ وهل يجب علينا أن نصدق كل ما ورد في الكتب السابقة أو في الإسرائيليات لسد هذه الفراغات؟
لقد قرر علماء المسلمين قاعدة مهمة، وهي أن ما سكت عنه القرآن والسنة الصحيحة لا ينبغي أن يتحول إلى أصل من أصول العقيدة. فما وافق القرآن والسنة قبلناه، وما خالفهما رددناه، وما لم يثبت صدقه أو كذبه فلا نصدقه ولا نكذبه، ولا نجعله من الدين.
وفي السنوات الأخيرة أصبح من المعتاد أن يخرج علينا بعض صناع المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليحدثونا عن هذه القصص بتفاصيل طويلة ودقيقة لم يذكرها القرآن، ثم يقدمونها للناس بثقة كاملة على أنها حقائق ثابتة، وحين يُسألون عن مصدرها تكون الإجابة: "هذا مذكور في التوراة" أو "ورد في كتب بني إسرائيل".
وهنا يبرز التساؤل المنطقي: إذا كنا نؤمن أن القرآن هو الكتاب المحفوظ من التحريف، وأن الله ذكر فيه من هذه القصص ما أراد لعباده أن يعلموه، فلماذا نبحث عن اليقين فيما سكت عنه القرآن؟ وكيف نُطالب بتصديق تفاصيل مأخوذة من كتب نؤمن في الوقت نفسه أنها لم تسلم من التحريف أو الاختلاف في النقل والتدوين؟
إن المشكلة ليست في الاطلاع على ما ورد في الكتب السابقة من باب المعرفة أو الدراسة التاريخية، وإنما في تحويل تلك الروايات إلى حقائق دينية قطعية، ثم تقديمها للعامة وكأنها جزء من العقيدة أو من المسلمات التي لا تقبل النقاش.
إن المسلم مأمور بالإيمان بما ثبت بدليل صحيح، لا بما اشتهر تداوله على الشاشات ومنصات التواصل. ولذلك يبقى الموقف الأكثر اتزانًا هو الوقوف عند ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، والتعامل مع ما وراء ذلك باعتباره روايات تحتمل الصواب والخطأ، لا حقائق ملزمة للإيمان بها.
ولعل من حكمة الله أن يترك بعض الأمور دون تفصيل، حتى يظل اهتمام المؤمن منصرفًا إلى الهداية والعبرة، لا إلى الجدل في أمور لم يكلفه الله بمعرفتها. فالعبرة من قصة نوح هي الإيمان والصبر، ومن قصة موسى والخضر هي التواضع للعلم، ومن قصة أصحاب الكهف هي الثبات على العقيدة، ومن ذكر يأجوج ومأجوج الإيمان بالغيب وأشراط الساعة.
فحيث سكت القرآن، ينبغي أن نتعلم أدب التوقف، وأن ندرك أن الهداية فيما بينه الله لعباده، لا فيما أخفاه عنهم. وليس كل ما يُروى يُصدق، وليس كل ما يُنقل يصبح دينًا.