في زحام الحياة، وكثرة الوجوه والكلمات، أصبح من الصعب أحيانًا أن نفرق بين الصادق والمتصنع، وبين من يحمل القيم في قلبه، ومن يرددها بلسانه فقط، فليس كل من تحدث عن الفضيلة من أهلها، وليس كل من أكثر من الكلام عن المبادئ مستعدًا للتضحية من أجلها.
فالكلمات مهما كانت جميلة، لا تستطيع أن تخفي حقيقة النفوس عندما تأتي ساعات الاختبار، لأن المواقف هي التي تكشف الناس على حقيقتها.
لقد أصبح بعض الناس بارعين في الظهور بمظهر الصالحين، يبتسمون ما دامت الدنيا تبتسم لهم، ويرفعون شعارات الحق ما دامت تحقق لهم منفعة أو مكانة بين الناس، فإذا تغيرت الظروف، أو تعارضت المبادئ مع مصالحهم، تبدلت مواقفهم، وتغيرت وجوههم، وكأنهم لم يقولوا يومًا ما كانوا يرددونه من شعارات، فلا شيء يثبت عندهم إلا المصلحة، ولا شيء يحكمهم إلا ما يعود عليهم بالنفع، حتى أصبحت المبادئ عند بعضهم تُستدعى حين تخدم الأهواء، وتُترك حين تتعارض مع المصالح.
وخطورة هذا النوع من الناس لا تكمن في الأذى المباشر، بل في أنهم يزعزعون الثقة في المعاني الجميلة نفسها، فيجعلون الإنسان يتردد أمام الكلمات الطيبة والابتسامات البشوشة، لا لأنه يكره حسن الظن، ولكن لأن الخذلان المتكرر علمه أن ليس كل من أحسن الحديث أحسن العمل، وأن المظاهر كثيرًا ما تخدع، وأن الحقائق لا تعرف إلا عند الشدائد.
وقد صدق الشاعر حين قال:
وما كلُّ من أبدى البشاشةَ كائنًا
أخاكَ إذا لم تَلْفَهُ لك منجدًا
وصدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا
فدعهُ ولا تُكثرْ عليه التأسفا
فالمواقف هي الامتحان الحقيقي للرجال، والزمن هو القاضي الذي لا يجامل أحدًا، وما من قناع طال بقاؤه إلا وأسقطته الأيام، وما من حقيقة أخفاها صاحبها إلا كشفها الله ولو بعد حين.
فالناس قد تنخدع بالكلمات زمنًا، وقد تبهرها المظاهر حينًا، لكنها في النهاية لا تحفظ إلا المواقف، ولا تذكر إلا من ثبت على مبادئه حين عز الثبات، وتمسك بالحق حين تخلى عنه كثيرون.
إن الثبات على المبدأ قد يكون مكلفًا، وقد يحرم صاحبه بعض المكاسب العاجلة، لكنه يمنحه شيئًا لا يقدر بثمن، وهو راحة الضمير وسكينة النفس، أما الذين يغيرون وجوههم مع كل ريح، ويبيعون قناعاتهم في سوق المصالح، فقد يربحون شيئًا من الدنيا، لكنهم يخسرون أنفسهم شيئًا فشيئًا، حتى يصبحوا غرباء عن حقيقتهم، لا يعرفون لأنفسهم وجهًا ثابتًا ولا مبدأً راسخًا.
وما أشد الحزن حين ترى أناسًا يتحدثون عن الإخلاص وهم أبعد الناس عنه، ويتكلمون عن الوفاء وهم أول الناقضين له، ويرفعون راية الحق ما دامت تخدم مصالحهم، فإذا احتاج المبدأ إلى تضحية، أو دعاهم الحق إلى دفع ثمنه، انكمشت الشعارات، وسقطت الأقنعة، وظهرت النفوس على حقيقتها.
ومع ذلك، لم تخل الدنيا يومًا من الصادقين، وإن قل عددهم، فالصدق لا يحتاج إلى ضجيج، والوفاء لا يحتاج إلى إعلان، والإخلاص لا ينتظر تصفيق الناس، وإنما تعرف معادن الرجال عند الشدائد، وتنكشف النفوس حين تتعارض المصالح مع المبادئ.
وفي النهاية، لا يبقى للإنسان إلا ما صدق فيه، ولا يخلد في القلوب إلا ما عاشه بإخلاص، أما الأقنعة، فمهما طال عمرها، فلا بد أن تسقط، ومهما تجملت الوجوه، فإن الأيام كفيلة بكشف ما وراءها. وسيبقى الإنسان الحقيقي هو من يثبت على الحق حين يتغير الناس، ويحفظ العهد حين ينساه الآخرون، ويختار رضا الله على هوى النفس، ويؤثر نقاء الضمير على مكاسب الدنيا الزائلة، لأنه يدرك أن ما يرفع قدر الإنسان ليس كثرة ما يقوله، بل صدق ما يؤمن به، وثباته عليه حين تتغير الوجوه وتسقط الأقنعة.