في وقت تصارع فيه دول العالم أزمات المناخ وتناقص موارد المياه وتصاعد فجوات الغذاء، تخوض الدولة المصرية معركة تنموية غير مسبوقة لإعادة رسم خريطتها الجغرافية والاقتصادية، يأتي مشروع "الدلتا الجديدة" في صدارة هذه المشروعات العملاقة، ليمثل إرادة الدولة في تحويل الرمال القاحلة في الصحراء الغربية إلى جنات خضراء تفيض بالخير.
هذا المشروع ليس مجرد توسع أفقي في الرقعة الزراعية، بل هو منظومة هندسية وزراعية متكاملة تتحدى الطبيعة، وتجسد الاستغلال الأمثل لكل قطرة مياه عبر إعادة التدوير والمعالجة، لتأمين غذاء المصريين وصناعة مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة تفك التكدس السكاني في الوادي الضيق.
الإرادة السياسية وتحدي الجغرافيا
لقد لخص الرئيس عبد الفتاح السيسي حجم الإنجاز ومستوى التحدي في هذا المشروع القومي بقوله نصًا: "عاوز اقولكم علشان ناخد مياه الصرف الزراعي.. 150 كيلو مسار تم حفره وتجهيزه ينقل المياه إلى محطة 3 يوليو "الدلتا الجديدة".. هذه المياه من قبل كانت تنزل في البحر المتوسط.. وتم استخدامها في الزراعة.. وتم إنشاء طرق جديدة بأطوال تصل إلى 12 ألف كم".
هذه الكلمات تشرح حجم المجهود الهندسي والتمويل المالى، فالحديث هنا يدور عن مسار مائي هائل يمتد لقرابة 170 كيلومترًا (منها مسارات تصل إلى 120 و150 كم وفقًا للمراحل والربط بشبكات غرب وشمال الدلتا) لنقل مياه الصرف الزراعي، والتحدي الأكبر الذي واجه خبراء شق الطرق والمياه لم يكن المسافة فحسب، بل طبيعة الأرض، إذ تسير هذه المياه "عكس الميل الطبيعي للأرض" وعكس الجاذبية، مما استلزم إنشاء شبكة ضخمة من محطات الرفع العملاقة لتدفيع المياه إلى محطات المعالجة، مدعومة ببنية تحتية من الطرق والشرايين بلغت أطوالها 12 ألف كيلومتر لربط المشروع بمختلف المحافظات وتسهيل حركة التجارة والإنتاج.
أكبر مشروع قومي لإعادة تدوير المياه عالميًا
تمثل إدارة الموارد المائية في مشروع الدلتا الجديدة نموذجًا عالميًا ملهمًا في حسن استغلال المياه وتدويرها، وفي هذا السياق، يؤكد المهندس محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري، أن المشروع يعد واحدًا من أكبر المشروعات القومية التي تنفذها الدولة، حيث يعتمد بالأساس على مياه الصرف الزراعي المعالجة.
ويرى غانم أن الدولة تحرص عبر خطتها المتكاملة على الإدارة المثلى للموارد المائية والاستفادة من كل نقطة مياه، فبينما تتخلص العديد من دول العالم من مياه الصرف الزراعي بإلقائها في البحار والمحيطات، قامت مصر بربط نهاية المصارف الزراعية في الوجه البحري والدلتا، والتي كانت تلقى في البحر المتوسط، وتوجيهها عبر المسار الناقل إلى محطة معالجة الحمام ومحطة الدلتا الجديدة ليتم إعادة استخدامها أكثر من مرة.
ومن جانبه، يصف الدكتور عباس شراقى، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، المشروع بأنه من أكبر المشروعات الزراعية ليس في مصر فحسب بل في العالم أجمع، لاسيما وأنه يمتد على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان في بيئة صحراوية قاسية.
وأوضح شراقي أن إعادة استخدام المياه المعالجة ثلاثيًا تمثل الحل السحري والمحوري لمواجهة محدودية حصة مصر المائية التاريخية الثابتة، والتغلب على فقر المياه مع الاستمرار في التوسع الأفقي المستدام لتلبية احتياجات الزيادة السكانية المستمرة.
محاصيل استراتيجية وأراضٍ بكر خالية من الأمراض
ويتكامل الجهد المائي والهندسي مع رؤية زراعية علمية واضحة، حيث يشير الدكتور خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، إلى أن المشروعات الزراعية الكبرى، وفي مقدمتها الدلتا الجديدة وجهاز مستقبل مصر (الذي يستهدف استصلاح أكثر من 4.5 مليون فدان إجمالًا)، تعتمد على الموارد المتاحة من خلال تقليل الفاقد، والتحول الكامل نحو نظم الري الحديثة الموفرة للمياه، واستنباط أصناف نباتية قصيرة العمر ومقاومة للجفاف والملوحة.
وقد بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها بالفعل، حيث أشار جاد إلى حدوث طفرة حقيقية في زراعة المحاصيل الاستراتيجية التي تسهم في سد فجوة الاستيراد وتأمين الأمن الغذائي، وأبرزها القمح حيث تشير التوقعات إلى إمكانية رفع نسب الاكتفاء الذاتي من القمح لتصل إلى ما بين 60% و70% خلال السنوات القليلة المقبلة، وتحديدًا بحلول 2030 وهو إنجاز تاريخي لم يكن مطروحًا في السابق.
و يشهد المشروع طفرة إنتاجية هائلة، فى محصول بنجر السكر مما يعزز الاكتفاء الذاتي من السكر بنسب تصل إلى 85%، و التوسع في زراعة عباد الشمس، الكانولا، الذرة الرفيعة، وفول الصويا، وهي محاصيل حيوية لتقليص فاتورة استيراد الأعلاف والزيوت المستنزفة للعملة الصعبة، علاوة على ذلك، تتميز أراضي الدلتا الجديدة بأنها "أراضٍ بكر" تمامًا وخالية من الأمراض والآفات الزراعية التقليدية، مما يجعلها بيئة مثالية لإنتاج محاصيل تصديرية ذات جودة عالمية وفائقة المنافسة في الأسواق الدولية، مثل البطاطس، الفراولة، والموالح، والتمور والنباتات الطبية، حيث توفر وزارة الزراعة "خريطة زراعية" وإرشادات دقيقة ومحدثة للمستثمرين لضمان أعلى إنتاجية وأفضل إدارة للموارد.
الأبعاد البيئية والمناخية
ولا تقتصر عوائد مشروع الدلتا الجديدة على الجوانب الاقتصادية والإنتاجية فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا بيئية واستراتيجية غاية في الأهمية لحماية الدلتا القديمة فالمشروع يعمل على رفع التلوث عن الشواطئ والبحيرات حيث يساهم المسار الناقل في منع إلقاء مياه الصرف الملوثة في بحيرة مريوط وساحل البحر الأبيض المتوسط بالإسكندرية، مما يعيد التوازن البيئي لهذه المناطق الحيوية ويحمي الثروة السمكية والبيئة البحرية، و مواجهة التغيرات المناخية فالمشروع شبكة أمان لامتصاص فائض المياه الناتج عن الأمطار الغزيرة التي كانت تتسبب في غرق الأراضي والمحاصيل بمحافظة البحيرة والدلتا القائمة حيث يتم تحويل هذه المياه بكفاءة نحو الدلتا الجديدة.
و في مواسم الأمطار والسيول، يمكن للدولة تخفيف كميات المياه المنصرفة من السد العالي لغرض الري، والاعتماد على المخزون والفائض الموجه للدلتا الجديدة، مما يمنح منظومة إدارة المياه مرونة استراتيجية فائقة.
العوائد الاقتصادية والتنمية المستدامة
ومن المنظور الشامل للتنمية، يؤكد الدكتور علي إسماعيل، أستاذ الأراضي والمياه ومدير معهد الأراضي والمياه الأسبق، أن مشروع الدلتا الجديدة يمثل استجابة استراتيجية وأحد أكبر المشروعات التنموية في تاريخ مصر الحديث، فمصر تستورد سنويًا نحو 14 مليون طن من الأعلاف وقرابة 9 ملايين طن من القمح، وتحقيق التوسع عبر هذا المشروع يحمي الاقتصاد القومي من التقلبات السعرية العالمية.
ويضيف إسماعيل أن المشروع يمثل منظومة متكاملة لا تقف عند حدود الزراعة، بل تمتد لتشمل تصنيعًا زراعيًا متطورًا (صناعات غذائية، تجميد، تعبئة، معاصر زيوت)، وإنشاء بنية تحتية عملاقة تشارك فيها قوى القطاع الخاص الوطني على نطاق واسع، وهذا الحراك الاقتصادي الضخم من شأنه خلق نحو 2 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وفتح آفاق واعدة لتشغيل الشباب بمختلف التخصصات، فضلاً عن تأسيس مدن وتجمعات سكنية وعمرانية جديدة ومتطورة في قلب الصحراء الغربية، بما يترجم رؤية الدولة في تحقيق "الحياة الكريمة" والتنمية المستدامة الحقيقية حتى عام 2050.
جدير بالذكر أن مشروع الدلتا الجديدة، الممتد ضمن الاستراتيجية الوطنية للموارد المائية حتى عام 2050، والخطة القومية للمياه (2017-2037)، ليس مجرد مشروع زراعي عابر، بل هو شريان حياة جديد ومستدام يبرهن على قدرة العقل المصري على قهر الصعاب الجغرافية والمائية، ومن خلال ترويض الصحراء وإعادة تدوير المياه، تضع مصر حجر الأساس لعصر جديد من الاكتفاء الذاتي والرخاء الاقتصادي، لتثبت أن تحديات الحاضر يمكن تحويلها، بالإرادة والعلم، إلى فرص واعدة تصنع مستقبل الأجيال القادمة.