خالد دومة يكتب: على مذبح اليأس

الجمعة، 08 مايو 2026 10:38 م
خالد دومة يكتب: على مذبح اليأس خالد دومة

أثمن ما يملكه الإنسان هو الحياة. يتألم الإنسان، ويقاسي من ويلاتها ما يقاسي من تعبٍ وهمٍّ وغمّ، ويواجه كلَّ يومٍ مشقاتٍ تثقل روحه، ومع ذلك تبقى الحياة حيّةً في قلبه ونفسه، وتعجز تلك الآلام كلّها عن أن تنتزع حبّها منه. غير أنّ هناك لحظاتٍ فارقة في حياة بعض الناس، لحظاتٍ يبلغ فيها الألم ذروته، فيؤثر الإنسان الموت على الحياة، والراحة الأبدية على الشقاء المستمر. إنها لحظة يغيب فيها العقل والوعي، فتنهار كل الحواجز التي كانت تمنعه، ويتحوّل ذلك الجدار الشاهق إلى كومةٍ من تراب، ويمتلئ القلب بالقنوط، فيقدّم الإنسان رأسه قربانًا على مذبح اليأس.

لكنّ الإنسان، مهما اشتدّ ظلامه، يحتاج إلى ذرة أملٍ تعيده إلى حبّ الحياة، وترشده إلى أن ما يفكّر فيه ليس حلًا، بل اعترافٌ بالعجز لا ينبغي للإنسان أن يستسلم له. وكثير من حالات الانتحار في بلادنا ترتبط بضيق العيش، وقسوة الظروف، ونفاد الصبر من إصلاح الحال. فالحالة الاقتصادية كثيرًا ما تكون العامل الأقوى في دفع الإنسان إلى تلك الدوامة النفسية العنيفة التي تسحقه من الداخل.

وفي معترك الحياة نخوض قتالًا عظيمًا من أجل البقاء، لكن أيّ بقاءٍ نريد؟ أهو بقاء الجسد وحده، أم أنّ هناك شيئًا آخر أعمق وأبقى؟ إنّ التطلعات التي ننشدها لا تقتصر على العيش المترف، بل تمتدّ إلى حقول المعرفة واتساع الروح والعقل. وقد تعلّمنا الحياة أن نضالنا قد لا يأتي دائمًا بالثمرة التي نبتغيها، وأن الأفكار التي تتمخّض عنها عقولنا قد تموت قبل أن تولد. ومع ذلك، فلا ينبغي أن نحزن على كل ما ضاع، لأن الإنسان إن استسلم لليأس احترق في داخله حتى يغدو كزبدٍ في قاع الجحيم.

وهنا يثور السؤال: هل نشكّ في جدوى الحياة؟ أم أنّ أنظمتنا تسحق كل عملٍ جاد، بينما يتصدّر أصحاب الآراء الفارغة المشهد، يتحكمون في مصائر الناس بجهلٍ، بلا كفاءةٍ ولا عدالة؟ وهل نحن حقًا نملك إرادة أمةٍ تنهض، أم أنّ الأحاديث الجوفاء تملؤنا كما تملأ عقولنا، ثم تهوي بنا كما تهوي دائمًا الأمم العاجزة عن مواجهة حقيقتها؟

إن نصيب الإنسان من الحياة لا يُقاس بالمال ولا بالمناصب، بل يُقاس بقدر ما استوفى من وظائفه الإنسانية والروحية والعقلية. يكون للمرء نصيب وافر من الحياة حين يغذّي شعوره، ويهذّب عاطفته، ويطعم عقله من المعرفة ما يصلحه. فكثير من الناس يخرجون من الحياة فقراء منها، ولو ملكوا المال الوفير وبلغوا أعلى المناصب، لأنهم أهملوا أرواحهم، وتركوا التقليد والأفكار الجاهزة تدير حياتهم، فانتهوا إلى جدبٍ داخليٍّ قاسٍ، رغم ما حققوه من تفوقٍ مادي.

وفي دنيانا أشياء كثيرة تطمس معالم الروح في الإنسان. فالناس يجاهدون من أجل بقاء أجسادهم، وتأخذهم دروب الحياة حتى ينسوا عالم الروح، فتقذف بهم إلى برودةٍ شنيعة؛ برودة الخوف والفزع والاغتراب.

ما أشدّ صلابة وجه الحياة! إنها آلةٌ ضروس تطحن كل ما يقابلها، ووجهٌ جامد يعكس قسوتها. هناك قبحٌ متجذّر يحفر في الأعماق، ومتاهاتٌ وعرة تترك الإنسان تائهًا بين الآلام. بعض الناس لم يروا من الحياة إلا جانبها المظلم؛ اكتفوا بالموت مصيرًا أبديًا، لأنهم لم يجدوا ساعات رضاٍ حقيقية، بل عاشوا نفورًا دائمًا وطنينًا في آذانهم لا ينتهي. كان ثقل الحياة يزداد يومًا بعد يوم، والجراح لم تكن عدلًا أو قصاصًا، بل كانت جبروت طغاةٍ يتناوبون على الأسر والتعذيب.

إنها ليست حياةً عند بعضهم، بل شبحٌ يطاردهم وينغّص عليهم أيامهم. كانت خطواتهم نحو الحياة قوية في البداية، لكنهم سرعان ما اصطدموا بصخورها وحفرها. لم يباركهم أحد، وكانت النظرات إليهم سامةً موجعة، لا تعرف الرحمة. عاشوا كأنهم مقيدون بالسلاسل، تُصفع أرواحهم كل يوم، فلا يبيتون إلا حزانى، كسيري البال، مرهقي القلوب. وكان الألم الذي يشعرون به ثقيلًا إلى حدٍّ لا يضاهيه شيء، حتى بدا كأنهم خُلقوا من طين الهموم. خذلتهم الأشياء، ولم تعبأ بهم الدنيا، ولو كان غيرهم مكانهم لانطفأ منذ زمن بعيد.

لكنّ بقاء الإنسان، رغم كل ذلك، هو في ذاته صورةٌ من صور المقاومة؛ مقاومة اليأس، ومقاومة القبح، ومقاومة الانطفاء الداخلي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة