إذا كانت الدول المنخرطة في الصراع قد تجد نفسها مضطرة إلى إطالته عند حدود محسوبة، باعتباره أداة للحفاظ على التوازن الدولي وإدارة المسافة بين القوى الفاعلة، فضلًا عما تتيحه الحالة الصراعية من مزايا اقتصادية قد لا تتوافر في ظل الاستقرار، سواء عبر طفرات غير متوقعة أو كوسيلة للخروج من دوائر الإقصاء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في اللحظة الراهنة يتعلق بمدى قدرة القوى غير المنخرطة بصورة مباشرة على الاستفادة من هذا الواقع، أو بالأحرى بقدرتها على تحقيق توازن بين كلفة التوتر والمزايا التي قد يتيحها.
والواقع أن لا تقف الدول غير المنخرطة في الصراعات الدولية على مسافة واحدة من نتائجها، فبينما تتحمل كلفة التوتر في جانب، فإنها تمتلك في جانب آخر فرصًا لإعادة توظيفه، فالجغرافيا قد تتحول إلى أداة تسعير غير مباشر، والوساطة إلى مصدر نفوذ، والاستمرارية التنموية إلى رسالة استقرار في بيئة مضطربة، وبالتالي لا يصبح التوتر مجرد عبء يفرض على هذه الدول، بل يتحول إلى مساحة يمكن من خلالها إعادة التموضع داخل النظام الدولي، ولو بشكل تدريجي، وهو ما يعني توظيف ما تتيحه بيئة التوتر من فرص، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو جغرافية، بما يساهم في تحسين نسبي لموقعها على الساحة الدولية.
التغيير النسبي في موقع الدولة لا يتحقق بشكل عشوائي، وإنما يرتبط بما تملكه من أدوات، تساعدها على توظيف التوتر بصورة غير مباشرة، منها الجغرافيا، والتي لم تعد مجرد عنصر ثابت القيمة في ظل الصراع، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة قابلة للتسعير ، وهو ما يبدو على سبيل المثال في قدرة دولة على توفير ممرات أكثر آمانا، مع ارتفاع مستوى المخاطر، وهو ما من شأنه تعظيم العوائد الاقتصادية، أو على الأقل تحقيق قدر من التوازن مقابل الكلفة الفادحة التي تتكبدها جراء استمرار الصراع، بالإضافة إلى تعزيز ما تحظى به من وزن دولي جراء امتلاكها ميزة قد لا تتوفر لغيرها من الدول، مما يضفي عليها قدرا من الثقل يدفع نحو مزيد من الثقة الدولية بها في أزمنة الاضطراب.
تلك الحالة من الثقة الدولية لا تقتصر على مجرد كونها ممر آمن، وإنما تتجاوز ذلك نحو تقديم الدولة نفسها كوسيط موثوق من كافة أطراف المعادلة الدولية، وعلى رأسهم أطراف الصراع أنفسهم، مما يؤهلها للقيام بدور الوساطة، وهو الدور الذي لا تتوقف أهميته عند مجرد القيام بدور في وأد الصراع، أو على الأقل تهدئته، وإنما يمتد إلى الحرص على الحفاظ على استقراره، سواء ليبقي على موقعه كممر آمن من جانب، أو لعدم تحويله إلى طرف في الصراع، حتى لا يفقد دوره كوسيط، في ظل تحولات الدور الذي باتت تلعبه الوساطة في الصراعات المستحدثة، حيث لم تعد قائمة على إنهاء الحالة الصراعية تماما في اللحظة الراهنة، ولكنها أصبحت تهدف في الأساس إلى الاحتفاظ بحدود الصراع، حتى لا ينزلق إلى الحرب الشاملة، وهو الأمر الذي بات مفروضا على الوسطاء بحكم بيئة الصراع المحتدمة، والتماهي الضمني بين أطرافه على الإبقاء عليه.
ولعل الفرصة الأهم التي تحظى بها بعض الدول غير المنخرطة في الصراع، لا تتعلق فقط بتحقيق مكاسب آنية، على غرار أطرافه، بل تتجلى في قدرتها على الحفاظ على مسارها التنموي، حتى وإن تراجعت وتيرته نسبيًا تحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية، حيث أن هذه القدرة، المرتبطة بامتلاك دور الوساطة، وما يتيحه من النأي عن الانخراط المباشر في الصراع، تمثل أساسا مهما لا يقتصر على تعزيز الحضور الدولي، بل يمتد ليشمل مواصلة تنفيذ مشروعاتها الطموحة في بيئة عالمية مضطربة، وفي هذا السياق، تتحول الاستمرارية التنموية إلى رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، تعكس ما تتمتع به هذه الدول من قدر من الاستقرار يسمح لها بالاستثمار والعمل، في وقت تتراجع فيه قدرة العديد من الدول على الحفاظ على وتيرة مماثلة، ومن ثم، لا تقتصر أهمية هذه الاستمرارية على نتائجها المباشرة، بل تكمن في كونها رصيدًا تراكميًا يمكن البناء عليه مستقبلًا، سواء في أزمنة الاستقرار أو الاضطراب.
والمفارقة اللافتة في هذا السياق تتجلى في التحول من منطق النأي الجغرافي عن الصراع إلى منطق النأي القائم على الثقل، فخلال عقود، اعتمدت القوى المهيمنة على إبعاد مناطق نفوذها جغرافيا عن ساحات المواجهة المباشرة، بما يضمن لها قدرا من الاستقرار يعزز فرصها التنموية، إلا أن المعادلة الراهنة تبدو مختلفة، حيث لم يعد الموقع الجغرافي هو المحدد الرئيسي لموقع الدولة من الصراع، بقدر ما أصبحت قدراتها الذاتية وثقلها الإقليمي هما العامل الحاسم في تحديد درجة انخراطها أو تحييدها.
وفي هذا الإطار، لم يعد النأي عن الصراع يرتبط بالابتعاد عنه مكانيا، بل بالقدرة على إدارة العلاقة معه، من خلال ما تمتلكه الدولة من أدوات تسمح لها بالقيام بدور وظيفي داخل بيئة التوتر، دون الانزلاق إلى الانخراط المباشر فيه، وهو ما يعكس بدوره تحولا أوسع في بنية العلاقات الدولية، من منظومة قائمة على تحالفات تقليدية ذات طابع ثابت، إلى شبكة من العلاقات الأكثر سيولة، تتسم بالتنافس بين الحلفاء، وبالصراع بين الخصوم.
وهنا يمكن القول إن قوة الدول غير المنخرطة في الصراع لا تكمن فقط في قدرتها على تجنبه، بل في قدرتها على التواجد داخله دون الانزلاق إلى الانخراط المباشر فيه، فهي لا تكتفي بإدارة كلفة التوتر، بل تسعى إلى توظيفه عبر أدوار تسهم في احتوائه، وفي الوقت ذاته تعزز من تماسكها الداخلي وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وبالتالي لا يصبح الاستقرار الذي تحافظ عليه هذه الدول مجرد حالة داخلية، بل يتحول إلى عنصر فاعل في معادلة التوازن الدولي، بما يجعل قدرتها على الصمود والاستمرار أحد العوامل الحاسمة في أزمنة الاضطراب