بين أجواء البهجة والزيارات العائلية، التى يحرص الجميع عليها خلال أيام عيد الأضحى المبارك، يلجأ البعض الآخر إلى القراءة التي تعد من أجمل الرفقاء لالتقاط لحظة هدوء مختلفة، ويرجع تاريخ الكتابة والقراءة بوجه عام إلى آلاف السنين فلم يكن المصري القديم منشغلًا فقط ببناء المعابد والأهرامات، بل عرف أيضًا فن الحكاية ونسج القصص التي حملت خياله ومعتقداته وتجارب حياته اليومية، ففى عصر الدولة القديمة ظهرت البدايات الأولى للسرد الأدبي، حيث امتزجت الأسطورة بالحكمة، والواقع بالخيال، لتكشف هذه القصص عن مجتمع امتلك حسًا فنيًا وإنسانيًا مبكرًا، جعل من الكلمة وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الروح المصرية القديمة، ونتوقف اليوم مع قصة "الفلاح الفصيح" كما ذكرها عالم المصريات الكبير سليم حسن.
قصة الفلاح الفصيح
يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر: الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وفي فصل بعنوان "القصص المصري"، ترجع هذه القصة إلى العهد الأهناسي، وهو عهد سادت فيه الفوضى، وعم الاضطهاد؛ فالقصة مظهر لما يحتدم في نفوس الناس، ولما يشكون منه في ذلك العهد، وهي من أبلغ وأروع ما كُتِب في الأدب المصري القديم، حتى إنها كانت تُعَدُّ نموذجًا يحتذى ويقتبس منه عهد الدولة الحديثة.
ملخص قصة الفلاح الفصيح
ترجع حوادث هذه القصة إلى عهد الملك «خيتي» أحد ملوك هيراكليوبوليس — أهناس المدينة — في نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد، والاسم الذي أطلق عليه العلماء تجوزًا «الفلاح» حقيقته في اللغة المصرية «ساكن الحقل»، أي بطل هذه القصة أحد سكان «حقل الملح» وهو «وادي النطرون» الآن، وقد أطلق عليه في العهد المسيحي «صحراء النطرون»، وكان هذا الفلاح يسكن في مجاهل هذه البقعة، وكان يسافر من حين لآخَر إلى مصر ليبيع محصول أرضه محمَّلًا على حمير له، ولما وصل في مرة إلى مصر اعترضه أحد الموظفين المسمَّى «تحوت نخت» واغتصب منه حميره وما عليها بحيلة دنيئة، فذهب الفلاح على إثر ذلك إلى عاصمة المقاطعة ليشكو أمره إلى «رنزي» رئيس «تحوت نخت» المغتصِب، فجمع «رنزي» مجلس الأشراف ليفصل في هذه القضية، غير أن أعضاءه لم يعلنوا حكمهم لأسباب لم تُذكَر في القصة، فصاغ الفلاح شكايته لرنزي في أسلوب فصيح بهره وأعجب به، فرأى أن الأمر جدير بأن يُعرَض على جلالة مولاه الملك؛ نظرًا لذلك الأسلوب الأخَّاذ، وتلك البلاغة النادرة التي لم يعهد لها مثيلًا من قبلُ، ولقد أمر جلالة الملك ألَّا يبتَّ في أمر ذلك الفلاح الفصيح حتى يكرِّر الشكوى؛ فيكون ذلك مصدرَ خطبٍ بليغة أخرى يغتني بها الأدب، ويكتسب مادة وإمتاعًا، وهذا ما كان؛ إذ ألقى الفلاح تسع خطب رائعة في موضوع هذه الشكوى.