بين دماء غالية سُفكت على أرض الوطن، وفخر وعزة تتماسك بهما القلوب رغم مرارة الفراق، تظل سيرة شهداء الوطن قصة لا تنتهي فصولها، بل تتناقلها الأجيال كوثيقة شرف حية.
وفي هذا السياق، فتحت السيدة سحر يوسف، أرملة البطل الشهيد اللواء مصطفى الخطيب، مساعد مدير أمن الجيزة السابق وشهيد بأحداث كرداسة، الصندوق الأسود لذكرياتها المثقلة بالوجع والفخر معاً، متحدثة عن كواليس ذلك اليوم الأسود الذي شهد ما عُرف تاريخياً بـ "مجزرة كرداسة"، كاشفة في حديث مطول ومؤثر لتلفزيون اليوم السابع، عن خفايا اللحظات الأخيرة والمكالمة الهاتفية المفجعة التي جمعتها بزوجها الراحل قبل دقائق معدودة من صعود روحه الطاهرة إلى بارئها، لتسطر من جديد شهادة للتاريخ تكشف خسة وعمالة الجماعات الإرهابية المسلحة في مقابل عقيدة الفداء والتضحية لرجال الشرطة المصرية الأوفياء.
أرملة شهيد كرداسة تكشف أسرار ما بعد فض إعتصام رائعة المسلح
بدأت السيدة سحر يوسف حديثها بربط الأحداث ببعضها؛ حيث أكدت أن الشرارة الأولى للمأساة بدأت بالتزامن مع إعلان الدولة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة المسلحين، واللذين كانا يمثلان بؤرة لتهديد الأمن القومي وترويع المواطنين.
وفي تلك اللحظات الفاصلة من عمر الوطن، شنت العناصر الإرهابية المسلحة هجوماً همجياً بربرياً، مخططاً له سلفاً، على مركز شرطة كرداسة في محافظة الجيزة، مستخدمين مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والبيضاء، ومدفوعين برغبة عارمة في الانتقام وإحداث فوضى عارمة في البلاد، مرتكبين مجزرة بشعة هزت الضمير الإنساني ويندى لها الجبين، وكان اللواء مصطفى الخطيب في قلب هذه المواجهة الشرسة، يدافع عن مبنى القسم وعن هيبة الدولة حتى النفس الأخير.
تصدير الأطفال والنساء في المشهد
وفي سردها المسترسل لتفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت الهجوم الغادر، فجّرت أرملة البطل مفاجأة مدوية حول أخلاقيات هؤلاء القتلة، حيث أشارت إلى أن زوجها اتصل بها هاتفياً قبيل بدء الموقعة واقتحام المركز بدقائق قليلة، وكان صوته يحمل مزيجاً من الثبات والقلق على الأبرياء، وأخبرها بكلمات واضحة لا لبس فيها أن قادة المجموعات الإرهابية وأهالي المتهمين قاموا بحيلة خبيثة تنم عن خسة شديدة؛ إذ جمعوا الأطفال والنساء من المناطق المحيطة وجعلوهم في مقدمة الصفوف، دافعين بهم إلى الخطوط الأمامية قبل اقتحام مركز الشرطة، وذلك لاستخدامهم كدروع بشرية لحماية أنفسهم من نيران الشرطة، وليضمنوا شل حركة الضباط ومنعهم من الدفاع عن أنفسهم خشية إصابة الأطفال والنساء الأبرياء.
وعلقت السيدة سحر يوسف على هذا الموقف الإنساني الصعب بنبرة يملؤها الفخر والحزن معاً، مؤكدة أن هذا المشهد بالذات يختصر الحقيقة الكاملة، ويجسد الفارق الشاسع والواضح بين عقيدتين لا تلتقيان؛ عقيدة خبيثة وظلامية يتبناها الإرهابيون الذين لا يتورعون عن استخدام الأطفال والنساء والشيوخ كدروع بشرية لحماية عروشهم الواهية وأنفسهم الجبانة، وعقيدة وطنية مقدسة يحملها رجال الشرطة المصرية الذين يحمون الأطفال والنساء بأجسادهم، ويفضلون الموت والشهادة على أن تسيل قطرة دم واحدة من مواطن بريء، وهو ما جعل الضباط داخل القسم يتعاملون بأقصى درجات ضبط النفس حرصاً على الأرواح، مما مكّن القتلة من اقتحام المبنى في نهاية المطاف.
لحظات من القلق يوم فض الاعتصام
وانتقلت أرملة الشهيد اللواء مصطفى الخطيب إلى تفاصيل اللحظات العصيبة والدراما الإنسانية التي عاشتها داخل بيتها وهي تتابع الموقف عن بُعد، وقالت وعيناها تفيضان بدموع لم تجف رغم مرور السنوات، إنها كانت تجلس أمام شاشة التلفزيون والقلق يمزق أحشاءها، بينما تنقل القنوات الإخبارية أنباءً متسارعة ومتضاربة عن اشتباكات عنيفة ودامية تدور رحاها في محيط مركز شرطة كرداسة.
وفي محاولة مستمرة للاطمئنان على زوجها، حاولت الاتصال بهاتف المحمول مراراً وتكراراً، لكن الرنين كان مستمراً دون أي إجابة، مما ضاعف من رعبها وخوفها الحقيقي على حياته.
أصعب مكالمة تليفونية
وفي ذروة ذلك القلق القاتل، قررت السيدة سحر أن تتصل بهاتف العسكري (المجند الشرطي المرافق لزوجها بصفة دائمة) لعله يجيبها ويطمئن قلبها، وبالفعل فتح الطرف الآخر الخط، لتظن للوهلة الأولى أن الفرج قد جاء، لكن الصدمة كانت تفوق قدرة البشر على التحمل؛ إذ لم يكن المتحدث هو المجند، بل كان صوتاً غريباً تملؤه نبرة الغدر والتشفي، حيث رد عليها شخص من عناصر التنظيم الإرهابي قائلاً بكل برود وقسوة: "قلناهم كلهم".
تلك الكلمات الأربع كانت كفيلة بأن تزلزل كيان الزوجة وتوقف الزمن في عينيها، لتسقط في حالة من الذهول التام والشلل عن التفكير، عاجزة عن استيعاب ما سمعته أذنها للتو.
وتابعت السيدة سحر سردها المؤثر للأوقات العصيبة التي تلت تلك المكالمة المشؤومة، مشيرة إلى أنها دخلت في موجة من إنكار الواقع من هول الصدمة، وبدأت تحاول الاتصال بالعديد من زملائه الضباط في المديرية أو الوزارة لمعرفة الحقيقة، لكن أحداً لم يكن يجيب، فالجميع كان مشغولاً بتلك الملحمة الدامية.
وأمام هذا الصمت المرعب، قررت الاتصال بشقيقها الذي يشغل رتبة لواء شرطة وقتها، والدموع تخنق صوتها مستغيثة به لكي ينفي لها ذلك الخبر، إلا أن صمته وبكاءه على الطرف الآخر كانا الإجابة القاطعة، حيث أكد لها بمرارة نبأ استشهاد زوجها اللواء مصطفى الخطيب وانضمامه لشهداء الأبرار.
إنهيار أسرة الشهيد مصطفى الخطيب بعد استشهاده
وعن أثر هذا النبأ الصاعق على أسرة الشهيد، وصفت أرملة البطل مشهداً يدمي القلوب؛ حيث انهار المنزل تماماً وتحول إلى سرادق عزاء في ثوانٍ معدودة؛ فبمجرد سماع الخبر، سقطت ابنتها الكبرى على الأرض مغشياً عليها من هول الصدمة وفقدت الوعي، بينما أصيبت ابنتها الثانية بحالة من الصدمة النفسية الحادة وفقدت النطق تماماً لعدة ساعات متواصلة عاجزة عن البكاء أو الصراخ.
وفي وسط هذا الانهيار الأسري، كشفت الزوجة المكلومة عن تصرفها العفوي تحت تأثير الصدمة واللاشعور، حيث بدأت تتحرك في أرجاء المنزل، تبحث عن صور زوجها البطل المعلقة على الجدران والموضوعة في الألبومات، لتجمعها كلها بين أحضانها وتبكي فوقها، مسترجعة ملامح شريك عمرها الذي رحل تاركاً خلفه إرثاً كبيراً من الشرف.
واختتمت أرملة الشهيد حديثها الذي اتسم بالشجن والقوة في آن واحد، برفع يديها إلى السماء قائلة: "حسبنا الله ونعم الوكيل في الإرهابيين الخونة الذين حرموا عائلات كثيرة من سندها، لكن عزاءنا الوحيد أنهم في جنات النعيم، وسيظل زوجي اللواء مصطفى الخطيب وكل زملائه الأبطال رمزاً خالداً للبطولة، والتضحية، والشرف، والفداء في تاريخ الدولة المصرية الحديث، ولن يمحو غدرهم ذكراه العطرة".
كما توجهت بخالص الشكر والتقدير للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وإلى جريدة وتلفزيون اليوم السابع، على جهودهم الحثيثة والمسؤولة في تكريم أسر الشهداء وتوثيق سير الأبطال العطرة، وتقديمها في قوالب إعلامية محترفة تضمن بقاء تلك التضحيات حية في وجدان الأجيال القادمة، ليعلم الجميع كم كان ثمن استقرار هذا الوطن غالياً.



