حازم الشريف يكتب: من لا يملك قوته لا يملك قراره

الثلاثاء، 26 مايو 2026 04:49 م
حازم الشريف يكتب: من لا يملك قوته لا يملك قراره حازم الشريف

توجه الدولة نحو مشروع الاكتفاء الذاتي في الطاقة والزراعة والأمن الغذائي.

لم تعد الحروب فى العصر الحديث تشبه حروب الماضى ولم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية فالعالم يعيش مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة الصراعات بصورة غير مسبوقة بعدما أصبحت معارك النفوذ والسيطرة ترتبط بالاقتصاد والغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا والمعلومات أكثر من ارتباطها بالسلاح التقليدي وحده.

فالدول الكبرى اليوم لا تتحرك فقط لحماية حدودها بل لحماية مصالحها الاقتصادية وتأمين احتياجات شعوبها من الموارد الأساسية، فى ظل عالم تتزايد فيه الأزمات وتتراجع فيه الموارد وتتسع فيه المنافسة الدولية بصورة حادة، ولذلك أصبح الحديث عن الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن السيبراني وأمن الطاقة جزءًا أساسيًا من معادلات القوة الدولية الحديثة.

وقد كشفت السنوات الأخيرة حجم التحول فى شكل الصراعات العالمية بداية من جائحة كورونا التى أربكت اقتصاديات العالم مرورًا بالحروب والنزاعات الدولية التى أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد وصولًا إلى الصراع التكنولوجي والمعلوماتى الذى أصبح سلاحًا جديدًا تستخدمه الدول الكبرى لفرض النفوذ وتحقيق المصالح.

وفى ظل هذه المتغيرات أدركت الدولة مبكرًا أن معارك المستقبل لن تكون فقط على الحدود، وإنما ستكون معارك من أجل البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية للشعوب وهو ما دفعها إلى التحرك فى اتجاه بناء قاعدة قوية من الاكتفاء الذاتى فى مختلف القطاعات الحيوية وعلى رأسها الغذاء والمياه والطاقة.

لقد أصبحت قضية الأمن الغذائى من أخطر القضايا التى تشغل العالم بعدما أثبتت الأزمات الدولية أن الاعتماد الكامل على الاستيراد يمثل نقطة ضعف خطيرة يمكن استخدامها كورقة ضغط سياسية واقتصادية، ومن هنا جاء التوسع فى المشروعات الزراعية الكبرى واستصلاح الأراضى وزيادة السعات التخزينية للصوامع ودعم الإنتاج المحلى بهدف تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادى.
كما فرضت تحديات المياه نفسها بقوة على الساحة الدولية خاصة مع تزايد معدلات النمو السكانى والتغيرات المناخية والصراعات المرتبطة بالأنهار والموارد الطبيعية ولذلك تحركت الدولة فى أكثر من اتجاه عبر مشروعات تبطين الترع وتحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه ومعالجة الصرف الزراعى إلى جانب تبنى سياسات تهدف إلى ترشيد الاستهلاك وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.

وفى إطار التفكير خارج الصندوق ظهرت كيانات وطنية جديدة تعمل وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى مثل جهاز «مستقبل مصر»، الذى يمثل أحد النماذج المهمة فى إدارة المشروعات القومية الزراعية وتحقيق التنمية المستدامة من خلال استغلال الموارد المتاحة بصورة أكثر كفاءة وربط الإنتاج بالتخطيط الاقتصادى الشامل للدولة.

كذلك لم تعد معارك العصر الحديث تقتصر على الغذاء والمياه فقط بل امتدت إلى مجالات التكنولوجيا والطاقة والمعلومات فالدول التى تمتلك التكنولوجيا تمتلك التأثير والدول التي تسيطر على مصادر الطاقة تمتلك أدوات الضغط بينما أصبحت البيانات والمعلومات سلاحًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن الأسلحة التقليدية.
كما أن التغيرات المناخية باتت تمثل تهديدًا عالميًا جديدًا بعدما أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الزراعة والمياه والاقتصاد والهجرة والاستقرار الاجتماعى وهو ما دفع كثيرًا من الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها استعدادًا لعالم أكثر تعقيدًا وأشد تنافسًا.

وفى خضم هذه التحديات أصبح بناء الإنسان ودعم الصناعة الوطنية وتعزيز الإنتاج المحلى وتوطين التكنولوجيا من أهم عناصر حماية الأمن القومى لأن الدولة التى تنتج غذاءها وتمتلك مصادر طاقتها وتطور صناعتها وتؤمن احتياجات شعبها تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطنى ومواجهة الضغوط الخارجية.
العالم يتغير بسرعة والصراعات لم تعد تُحسم فقط فى ميادين القتال بل داخل المصانع والموانئ وحقول الزراعة ومراكز التكنولوجيا وأسواق الطاقة ولذلك فإن امتلاك أدوات القوة الشاملة أصبح ضرورة وجود وليس مجرد رفاهية اقتصادية أو سياسية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يشهد المستقبل نجاح مشروع التحرر من فاتورة الاستيراد الباهظة والوصول إلى مرحلة تمتلك فيها الدولة اكتفائها وقدرتها الكاملة على حماية قرارها الوطنى؟

فالتاريخ يؤكد دائمًا أن الدول التي تملك قوتها وغذاءها وماءها وطاقة شعبها هي وحدها القادرة على امتلاك قرارها وصناعة مستقبلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة