تعرفت على الشاعر الكبير سمير عبدالباقى، منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين، عندما تابعناه وغيره فى ندوات ومهرجانات شعرية وسياسية بحزب التجمع، أو المؤتمرات السياسية التى جرت فى الثمانينيات من القرن العشرين، لكن صداقتى توطدت به فى نهاية التسعينيات، كان سمير عبدالباقى يصدر نشرة - أو مجلة - شعرية، أطلق عليها «شمروخ الأراجوز»، ظل يصدرها مصورة فى غلاف ورسومات من تنفيذه، وبخطه اليدوى، نشرة من عدة صفحات كاملة بالأشعار تتضمن قصصا ومشاهد ونكاتا خفيفة الدم، مع أشعار سياسية ونقدية اجتماعية، المهم اعتدت أن أبحث عن نسخة من «الشمروخ»، والتى كان الشاعر الكبير سمير عبدالباقى يصدرها ويوزعها بنفسه أو بالبريد.
وقد أعجبت بأشعار وبإبداعات العم سمير، وكنت أختار منها كل أسبوع ما تيسر وأنشره فى صفحة 2 «الجورنالجية»، بجريدة العربى، وفى أول مرة نشرت شمروخًا بمقدمة أعلنت فيها إعجابى، وأننى أهدى للقراء إبداعات «شمروخ الأراجوز»، بعنوان «فى الليلة الظلماء يضئ سمير عبدالباقى.. شمروخ الأراجوز وشكشكاته الشعرية»، وقلت إن الشاعر الكبير سمير عبدالباقى، منذ سنوات وهو يصر على إصدار صحيفته الشعرية، وكل أسبوع يملأ بها السماء والأرض، ينتقد ويصرخ ويضرب الأرض بقدميه، ويقول شعرا عذبا، وأصبح هناك كثيرون ينتظرون «شمروخ الأراجوز»، التى يكتبها ويطبعها ويصدرها ويطلقها الشاعر الكبير بفتوة وشباب ليعيد أيام النديم وبيرم، ويضىء شمعة وسط ظلام.. تنير الطريق، وقدمت شمروخ سمير، وانتظمت فى نشر أسبوعى لزاوية من إبداعات العم سمير باسم «شمروخ الأراجوز» وكان ينتقد الظواهر الاجتماعية والسياسية، ويكتب النشرة أسبوعيا بخط يده ورسوماته، بلا كلل وبخط جميل.
فرح العم سمير بالنشر، واعتاد ان يرسل لى «الشمروخ» بانتظام ويمر علىّ كلما توافر لديه وقت، لنجلس ونحكى وأستمع إلى حكاياته وحكمته وكلماته وذكرياته التى لا تنتهى، وتمتد إلى كل الموضوعات، وأهدانى نسخا من دواوينه وكتبه ومذكراته التى تمثل مساحات حرة من الإبداع والجمال بجانب روح مرحة صافية تحمل أملا ونضالا بلا شكوى أو أى قنوط، ومن أبيات شمروخ الرائعة:
«حرة بلدنا أكم فيها بشر حرين/ وان كنت مانتش مصدق أنظر وحقق/ تلاقينا يسار ويمين/ متزبطين زبط فوق الخط شرعيين/ إثبت حداك أننا من دون جميع الناس/ نقدر نخطى بقدم/ يا ننط ع الاتنين/ حُرين هتاف نهتفوا/ بنسقفوا بكفين/ ويجوز نبصبص بعين واحدة يا بالعنتين / دى بلدنا حرة واحنا من الأزل حُرين».
ولد سمير عبدالباقى بقرية ميت سلسيل، بمحافظة الدقهلية فى 15 مارس عام 1939 وحصل على بكالوريوس فى الاقتصاد الزراعى، ثم دبلوم الدراسات العليا بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وتولى منصب مدير عام الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، ثم مستشارا ثقافيا لقطاع الفنون الشعبية، ومديرا عاما للإدارة العامة للتفرغ بوزارة الثقافة، وخلال العدوان الثلاثى كوّن سمير عبدالباقى مع شباب قريته لجانا لاستقبال المهاجرين من بورسعيد أيام العدوان وللتدريب على المقاومة الشعبية، وأصدر مجلة حائط فى القرية كما قدم معهم العديد من المسرحيات بأبسط الإمكانات المتاحة من خلال نادى الطلبة.
أسس، وأسهم فى، تأسيس، أو شارك فى تحرير، عدد من المجلات والجرائد الأدبية، من بينها، جريدة صوت الفلاحين، التى رفعت شعار «الأرض والديمقراطية»، وجريدة «المقاومة الشعبية»، ومجلة «سمير»، ومجلة «صباح الخير»، و«شمروخ الأراجوز»، وقد واصلتُ نشر « شمروخ الأراجوز» فى صفحة الجورنالجية حتى عام 2008، عندما غادرت العربى، لكن بقيت صداقى واتصالاتى مع العم سمير، الذى لم يبخل بوقت وجهده للثقافة، بجانب خفة ظله وحكاياته التى لا تنتهى، وهو من سكان شبرا ظل فيها حتى نهاية حياته، ممثلا لمرحلة وعصر من الإبداع المخلص.
ويقول سمير عبدالباقى تحت عنوان «الشرخ الأوسط جاى»: «الشرخ الأوسط جاى وماتسألنيش إزاى/ لأنك لو مش عارف تبقى حمار/ساعتها مش راح تفرق وياك/ استحمار من استعمار/ وإذا إنك مش عارف وبتسأل تبقى بتستهبل/ إما لأنك متواطئ أو متوافق.. أو خاطئ/ نساى/ الشرخ الأوسط بالتأكيد/ جاى».
شارك سمير عبدالباقى بالكتابة للأطفال، وأسس مجلات تخاطب وعيهم، وشارك فى عدد كبير من المؤتمرات والمهرجات المتعلقة بالطفل، وخصص جزءا من كتاباته لمسرح الطفل، الفرقة المركزية لمسرح العرائس بالثقافة الجماهيرية، أو من خلال مشروع للعرائس ولخيال الظل، وله العديد من الدراسات النقدية.
وقد تعرفنا عليه مع مثقفين وشعراء كبار عندما كان يشارك بأشعاره وأغانيه فى ندوات حزب التجمع فى الثمانينيات من القرن العشرين وأيضا فى المهرجانات، وكان صاحب نشاط يجوب القرى والأحياء، ثم إنه أصدر حوالى 40 ديوانا شعريا وغنائيا على مدى سنوات عمره، حيث ظل غزير الإنتاج حتى اللحظات الأخيرة من عمره، ومن بين دواوينه 6 دواوين للأطفال، مع تجارب مسرحية وصحفية مهمة، وقد واجه محنة قبل سنوات رحيل ابنه المخرج والكاتب أشرف سمير، وقبلها رحلت زوجته مصممة العرائس الشهيرة فى مسارح الأطفال نجلاء رأفت.
رحم الله الشاعر والمبدع الكبير الذى رحل وترك أشعاره و«شمروخ الأراجوز» شاهدة على عظمة مبدع مخلص كبير.

أيام سمير عبد الباقى