رفعت جبر

أساطيل الورق ودبلوماسية السراب.. كيف تحولت قمم "بكين" وعسكرة الفضاء إلى معادلة صفرية؟

السبت، 23 مايو 2026 06:15 م


تتحرك الطائرات الرئاسية الضخمة وتحشد خلفها وفودًا تتفاوض، تلتقط الكاميرات ابتسامات دبلوماسية باهتة في الغرف المغلقة، وتتبادل القوى العظمى عبارات منمقة تُخفي وراءها رفضًا حاسمًا ومعادلات صفرية خطيرة.. والنتيجة؟ صفر حلول حقيقية! لقد انتهت الزيارات المرتبطة بأكبر قادة العالم إلى العاصمة الصينية "بكين" دون أن تترك خلفها ملامح واضحة لخارطة طريق للمستقبل، ليقف العالم اليوم على حافة مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، يتداخل فيه رماد الهدنة المستعرة في الشرق الأوسط، بمعضلة الرقائق الإلكترونية في تايوان، وصولًا إلى حرب النجوم وعسكرة الفضاء الخارجي.. إنها لعبة معقدة للغاية، الخاسر فيها مهزوم.. والكاسب فيها خسران.

شهدت بكين حراكًا دبلوماسيًا استثنائيًا جسّد عمق الفجوة بين غايات القوى الدولية؛ حيث دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاملًا منظوره البراغماتي القائم على "عقلية الصفقات" وتأمين ريادة أشباه الموصلات، معتبرًا تايوان أصلًا تجاريًا يمكن تأجيل الصدام حوله طالما أُمّنت البدائل لبلاده. وعلى النقيض تمامًا، لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحثًا عن صفقة عابرة، بل صياغة لمحور استراتيجي صلب لمناهضة الهيمنة الغربية، وهو ما تجلى في رسائله العاطفية والسياسية الموجهة للتنين الصيني. وبين عقلية التاجر الأمريكي وأشواق الحليف الروسي، وقف الزعيم الصيني "شي جين بينغ" ثابتًا على عقيدة السيادة، مقدمًا نموذجًا صينيًا يسعى لقيادة العالم بالدبلوماسية الناعمة ومبادرة "الحزام والطريق" التي تبني الموانئ والمصانع، بدلًا من زرع القواعد العسكرية وتهديد استقرار الأمم.


هذا التباين الصارخ بين رغبة واشنطن في تأجيل الصدام وسعي موسكو وبكين لإعادة صياغة العالم، يلقي بظلاله القاتمة على بقية الملفات الملتهبة، حيث يتشابك شلل التكنولوجيا بالطاقة؛ فأي شرارة حرب تنطلق من الشرق الأوسط بضربة عسكرية تستهدف إيران ستشعل أسعار النفط فورًا وتهدد الملاحة في مضيق هرمز، وتزامن ذلك مع أي تحرك صيني في تايوان سوف يصيب الاقتصاد العالمي بـ "سكتة دماغية" نتيجة توقف إمدادات الرقائق الذكية. ومن رحم هذه الفوضى العالمية التي فرضتها القوى العظمى على المنطقة العربية منذ منتصف القرن الماضي لإبقائها سوقًا لمبيعات السلاح، برزت الدولة المصرية كقوة إقليمية عاقلة ورشيدة؛ حيث نجحت القاهرة في تغيير موازين القوى برسم خطوط حمراء حاسمة؛ من "سرت-الجفرة" لصون أمن ليبيا، إلى الرفض التاريخي القاطع لتصفية القضية الفلسطينية والتهجير القسري في "رفح ومحور فيلادلفيا"، لتثبت مصر وسط جنون القوى الكبرى أن السلام الحقيقي يحتاج إلى درع وسيف يحميان المقدرات الوطنية ولا يعتديان.


وفي سياق متصل، فرضت البروباجندا الرقمية نفسها مؤخرًا عبر صورة مزيفة بتقنية الذكاء الاصطناعي (Deepfake) تظهر ترامب يقتاد كائنًا فضائيًا مقيدًا، ورغم الهزل المحيط بها، إلا أنها تُخفي وراءها الستار الدخاني لحرب النجوم الحقيقية. إن الخطر الفعلي الذي يهدد الكوكب ليس غزوًا خارجيًا، بل هو استراتيجية ترامب الواضحة لعسكرة الفضاء عبر "القوة الفضائية الأمريكية" (US Space Force) لمواجهة التفوق التكنولوجي الروسي والصيني في الأقمار الصناعية والأسلحة الفرط صوتية، لتتحول سخرية الفضاء إلى سباق تسلح مرير يبدأ من الأرض ويُحسم في المدار الأرضي.


إن المشهد الدولي الراهن يؤكد أننا نعيش زمن "الدبلوماسية العاجزة" التي تكتفي بإدارة الأزمات بدلًا من حلها، حيث تعقدت المصالح لدرجة ألغت معها مفهوم الانتصار التقليدي. لن يستطيع طرف واحد، سواء كان ترامب بصفقاته، أو بوتين بتحالفاته، أو الصين بعقيدتها الصارمة، أن يخرج من هذه المعمعة رافعًا راية النصر دون أن يدفع من أمنه القومي واقتصاده ثمنًا يوازي ثمن الهزيمة.. ففي عالم الحروب الذكية والمعادلات الصفرية، الكاسب -حتمًا- خسران!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة