خلال الأسبوع الماضى شاركت وعدد من الزملاء الكبار فى عالم الصحافة الرقمية وخبراء صناعة الإعلام فى مؤتمر مؤسسة ماعت للإعلان عن مدونة سلوك الإعلام الرقمى فى مصر، والتى تمثل مبادرة من المؤسسة ورئيسها الأستاذ أيمن عقيل، وسعدت أيضا بالنقاشات الثرية من الأصدقاء والزملاء ياسر الزيات وخالد البرماوى وشيماء البردينى، ومحمد الهوارى ومارينا سامى من المؤسسة، كما استمعنا لآراء أساتذة كبار فى الإعلام، الدكتورة سوزان قلينى والدكتورة ميرال صبرى والدكتور محمد القوصى.
كل النقاش دار حول مدونة السلوك الاختيارية التى يفترض أن تكون أمام كل من يعمل فى الإعلام، وجاءت نتيجة جلسات وورش شارك فيها صحفيون وخبراء ونقابيون، تناولوا اتساع دوائر الإنترنت والنشر وإنتاج المحتوى، الأمر الذى يضاعف من وجود أخطاء ومخالفات بعضها أصبح واضحا فى التعدى على الخصوصية أو التشهير بجانب مخالفات قد يصعب ضبطها خاصة بعيدا عن المواقع والصحف المعتمدة. واتفق كثير من المشاركين على أن الأمر قد يكون أسهل مع الصحف والمواقع بينما يبدو أصعب مع منتجى المحتوى الأفراد وملايين الفيديوهات على تطبيقات مواقع التواصل.
وخلال هذه الجلسة المهمة تناولت موضوعا مهما أراه يمثل خطرا على المجتمع وسير العدالة، وقتها كانت جلسة محاكمة متهم بقتل طليقته كتبت عنه بالأمس، ظهر فى فيديوهات ولايفات على مواقع كثيرة، لأنه ببساطة قدم لبعض المواقع أو لنقل لكثير منها ما يعرف أنه يسيل لعاب المحررين والناشرين على حد سواء، حيث أصبحت أكثر المواد قراءة وانتشارا على المواقع هى جرائم القتل وحوادث التحرش والاغتصاب بجانب المرافعات التى يقوم بها المحامون والمتقاضون أمام جمهور المواقع والمتشوق للمواد والفضائح، وهنا ربما لا نحاول إدانة الجمهور لكننا نلفت النظر إلى أن ما تنشره الكثير من المواقع والمنصات أصبح أشبه بتدريب الوحوش على الافتراس أو الصيد، ربما لا يكون كل الجمهور بهذه الغريزة، لكن هناك ما يكفى لصناعة تريند أو تشكيل نسب مشاهدة مليونية تسهم فى الرواج والانتشار حسب طلبات خوارزميات المواقع الكبيرة، فيس بوك وتوابعه وأشباهه.
شخصيا وبحكم العمل والتدريبات والمحاضرات والتفاعل والممارسة العملية تابعت وما زالت كل مشروعات المواثيق الاختيارية لأخلاقيات النشر، والتى صدرت عن نقابة الصحفيين منذ سنوات وربما عقود وتطورت مع الصحف وفى المؤتمرات، وهناك قواعد من الدول الكبرى ومجالس الصحف ورؤساء التحرير فى دول العالم والتى تلعب دورا فى رسم خطوط المتابعة لما ينشر، وربما نقول إنه وبعد متابعة كل هذه التفاصيل نرى أن الدول الحديثة نجحت فى الفصل بين ما يمكن إدراجه ضمن أخلاقيات النشر وبين ما يفترض أن يكون ضمن أعمال القوانين والتشريعات، على سبيل المثال فإن ما يتعلق بطبيب الطيبات والخزعبلات وتوابعه والجماعات المتربحة منه، أو وريثته التى كانت متزوجة منه، كل هؤلاء أصبحوا يرتكبون جرائم علنا من دون أن يظهر من يطبق عليهم القانون، رغم أن هناك مواد تمنح المجلس الأعلى للإعلام سلطة تطبيق القانون الذى يمنع الدعاية الطبية أو النصائح الدوائية أو بيع وتسويق أدوية أو مكملات من دون تصريح من وزارة الصحة وهيئة الدواء، لكن المجلس الأعلى للإعلام لا يبدو أنه يتابع هذه الجرائم التى تتم على الهواء ولا يمكن السماح بها فى أى دولة بالعالم.
لكننا ما زلنا نرى فرق الخزعبلات التى تروج لخرافات وتتسبب فى دمار وموت أطفال وكبار ومرضى يظهرون كل يوم يكشفون أنهم ضحايا هذا النوع من الخرافات، ومعهم جمهور يروج الجهل وبلطجية يمارسون الابتزاز والتهديد من دون أن يظهر من يفترض أنه يطبق القانون.
نفس الحال مع فضائح المتقاضين مثل المتهم بالقتل الذى هاجم القتيلة واتهمها بالخيانة والفساد، قبل أن تتضح الحقيقة ويرد بعض محاميها، ونفس الحال فى قضية الفتاتين المحبوستين وأمهما، وقد تحولت القضية إلى أكبر عملية نشر غسيل على الملأ، ظهرت الأم فى لايفات أكدت إدانة ابنتيها ونفسها وأنها طوال عشر سنوات رفعت عشرات القضايا على طليقها أو خليعها فى أكثر من محافظة، وتقديم مستندات وأوراق بهدف رفع قيمة النفقة بالرغم من أنها منعت البنتين من رؤية الأب تعسفا، وبسبب لايفات الأم المتهمة فقدت البنتان التعاطف الذى تحول إلى الأب الذى بدا مظلوما وبريئا.. كل هذا من خلال مواقع التواصل والمواقع التى تتغذى على هذا النوع، وجمهور أصبح شريكا فى أكل لحم الضحايا علنا، وهو ما أعتبره نوعا من المخالفات التى يصعب إمساكها بالقانون وإنما تقع فى منطقة رمادية، رغم أنها تسهم فى تدمير المجتمع وتوحش بعض جمهور المشاهدات، حيث إن الدم والفضائح الأسرية هى الوجبة الأهم فى عالم المواقع والصفحات، حيث صحف ومواقع وجمهور يأكلون لحم الضحايا «أونلاين».
