ليست رواية "باب أخضر للهاوية" مجرد حكاية عن فتاة تتلقى رسائل غامضة عبر العالم الافتراضي، بل تبدو كرحلة طويلة داخل النفس البشرية، كتبتها الروائية سارة درويش بلغة تمتلك خفة السرد وعمقه في الوقت نفسه، فمنذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أنه لا يقرأ رواية تقليدية، بل يعيش داخل عالم بطلتها "ندى"، يتتبع ارتباكها وأسئلتها وخوفها ووحدتها، وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد.
نجحت الروائية سارة درويش في أن تصنع رواية تقوم على التفاصيل النفسية الصغيرة، تلك التفاصيل التي تمر أحيانًا في حياتنا دون أن ننتبه إليها، لكنها هنا تتحول إلى مادة سردية نابضة بالحياة، فالرواية لا تعتمد على الصخب أو المفاجآت السريعة فقط، وإنما على بناء شعور متدرج بالاقتراب من البطلة، حتى تصبح "ندى" بالنسبة للقارئ شخصًا حقيقيًا يريد الاطمئنان عليه ومعرفة مصيره.
ما يميز الرواية بوضوح هو تلك اللغة الرشيقة التي لا تتعالى على القارئ، لكنها في الوقت نفسه تحمل حسًا أدبيًا واضحًا، جمل كثيرة داخل الرواية تبدو وكأنها مقتطفات من حياة كاملة، كان أحدهم بحاجة لأن يقولها منذ سنوات، ولهذا جاءت النصوص محملة بصدق إنساني شديد، خصوصًا في المقاطع التي تتحدث فيها البطلة عن شعورها بأنها مرئية فقط حين يتعلق الأمر بالمسئوليات والأعباء، بينما تختفي تماما حين تحتاج هي نفسها إلى الحنان أو الاحتواء.
رواية "باب أخضر للهاوية" أيضًا تمتلك قدرة نادرة على جذب القارئ دون افتعال، فكل رسالة تصل إلى "ندى" تدفعنا نحن أيضًا إلى التساؤل من هذا الشخص؟ ولماذا يعرفها بهذه الطريقة؟ وهل هو حقيقي فعلاً أم مجرد انعكاس لاحتياجها العاطفي والنفسي؟ وهنا تكمن براعة البناء السردي، إذ تجعل الكاتبة سارة درويش القارئ يعيش حالة البطلة نفسها، يتورط معها في الانتظار، وفي الحيرة، وفي التعلق بذلك الصوت الخفي القادم من خلف "الباب الأخضر".
حتى بعد ظهور "عمر" الرجل الذي ظلت شخصيته مختبئة خلف مهنة الطبيب، لا تمنحنا الرواية إجابات كاملة بسهولة، بل تستمر في اللعب على المنطقة الرمادية بين الثقة والشك، بين الحب والخوف، وبين الحاجة إلى النجاة والرغبة في الهروب، وهذا ما يجعل الرواية تتحرك بسلاسة بين الدراما النفسية والرومانسية والغموض، دون أن تفقد توازنها.
ومن أجمل ما فعلته الروائية سارة درويش أنها لم تجعل "ندى" بطلة مثالية، بل فتاة عادية جدًا، مكسورة أحيانًا، مرتبكة أحيانًا أخرى، لكنها حقيقية إلى حد يجعل القارئ يرى جزءًا من نفسه فيها، ولهذا تصبح الرسائل التي تتلقاها وكأنها رسائل موجهة لكل شخص شعر يومًا بأنه غير مرئي، أو أنه لا يستحق الحب.
كما أن الرواية تملك حسًا إنسانيًا عاليًا في تناول فكرة العلاج النفسي، والوحدة، والاكتئاب، والرغبة في أن يجد الإنسان شخصًا يصغي إليه فعلً، وهي موضوعات كان يمكن أن تتحول إلى خطاب ثقيل أو مباشر، لكن الكاتبة قدمتها بخفة ونعومة عبر الحكاية نفسها، لا عبر الوعظ أو الشرح.
ومع التقدم في الأحداث، تتحول الرواية تدريجيا إلى لعبة مشاعر وأسئلة، تجعل القارئ متورطًا بالكامل هل تثق "ندى" في "عمر" هذا الرجل الغامض؟ هل تمنحه قلبها؟ هل تهرب؟ وهل ما يحدث لها خلاص أم هاوية جديدة؟ وهنا تحديدًا يظهر ذكاء سارة درويش في الحفاظ على توتر الحكاية حتى الصفحات الأخيرة.
ربما لهذا تبدو الجملة التي افتتحت بها الرواية وعادت لتطارد البطلة طوال الأحداث، وكأنها المفتاح الحقيقي لكل شيء "عرفتك الآن فقط.. كم أنت فتاة مدهشة"، هي ليست مجرد رسالة داخل الرواية، بل الجملة التي أعادت تشكيل "ندى" من الداخل، والجملة نفسها التي تلخص روح هذا العمل، رواية عن إنسانة كانت تبحث طوال الوقت عمن يراها حقًا.