إذا كانت المشروعات العملاقة تمثل سوقا اقتصاديا مهما يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، في إطار ما يسمى بالاستثمار الأجنبي المباشر، والذي يبقى الهدف الرئيسي منه تحقيق مكاسب اقتصادية للمستثمر والدول التي تمثل سوقا للمنتج، فإن الحروب الحالية صارت بمثابة سوق للنفوذ الدولي، بينما باتت المعسكرات أقرب إلى شركات متعددة الجنسيات تضخ رؤوس الأموال داخل ساحات الصراع، والتي لم تعد تقتصر على الأموال الطائلة وحدها، وإنما امتدت إلى السلاح والعتاد والموارد البشرية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا وغيرها، وهو ما يطرح تساؤلا ملحا حول طبيعة المكاسب الناجمة عن الانخراط في الحروب، أو بصيغة أخرى ما هي الغنائم التي يجري تقاسمها داخل صراعات طويلة الأمد لا تنتظر حسما نهائيا على غرار الحروب التقليدية.
ففي الحروب التقليدية، كانت أطراف المعسكر، تنال قيمة ثابتة جراء ما تقدمه من دعم سياسي للقيادة، والتي تنخرط بمفردها في الميدان، تتجلى في المزايا، القائمة على الحماية، والاعفاءات الجمركية، والسماح لها بالوصول إلى بعض المنتجات ذات الطابع الاستراتيجي، على غرار الرقائق الالكترونية، بينما تبقى كافة المكاسب الأخرى حكرا على الدولة القائد، لتصبح هي المحرك الرئيسي، سواء على أرض الخصم، بعد الإجهاز عليه، عبر السيطرة على موارده، أو حتى فيما يتعلق بالأدوار التي تقوم بها القوى الأخرى.
إلا أن المعطيات الحالية شهدت تغييرا جذريا عما مضى، فالدولة القائد لم تعد ترغب في الانخراط المنفرد، خاصة مع قدرة الحلفاء على الاستثمار في المزايا المجانية الممنوحة لها، حتى أضحت قادرة على مزاحمتها على المدى المتوسط، بالإضافة إلى ارتفاع الكلفة بصورة كبيرة مقارنة بما يتحقق من مكاسب، ناهيك عما تتكبده من خسائر تنال من مكانتها الدولية، وبالتالي أصبحت تمارس ضغوطا غير تقليدية عبر تقليل المزايا، أو بالأحرى ربطها بحجم المشاركة الفعلية في الميدان، في إطار الصراع.
والسطور سالفة الذكر تبدو كاشفة لمتغيرات أخرى، أهمها اختلاف الطموحات التي تتطلع إليها الدول الأطراف في المعسكر الواحد، فلم تعد المزايا الممنوحة لها من القيادة تضاهي، في رؤيتهم، حجم التضحيات الناجمة عن الانخراط المباشر في الحرب، وبالتالي فأصبحت تسعى نحو أدوار أعمق، ليس في إطار الدور المخول لها داخل المعركة، وإنما في إعادة هيكلة دورها الدولي، بحيث تصبح طرفا فاعلا في تشكيل التوازنات، في مواجهة حالة أحادية هيمنت على المشهد الدولي لعقود طويلة من الزمن.
فلو نظرنا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، نجد أن ثمة طموحا إسرائيليا لقيادة الإقليم، يقابله طموح إيراني مماثل، في مواجهة قوى إقليمية أخرى تمتلك من التأثير ما يؤهلها للقيام بالدور نفسه، وإن اختلف النهج الذي يتبعه كل طرف، وفي المقابل، يبدو الحضور الأوروبي أكثر ارتباطا بحسابات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بتأمين سلاسل الإمداد والطاقة والممرات الحيوية، وإن كانت بعض القوى الأوروبية الكبرى، على غرار فرنسا وبريطانيا، تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على هامش مستقل من التأثير داخل معادلة الصراع، بما يضمن لها دورا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.
وعلى جانب آخر، تبدو بعض القوى الإقليمية، كالعراق مثلا، أكثر ميلا نحو إعادة ضبط علاقتها بأطراف المواجهة، بما يسمح لها بالحفاظ على قدر من الاستقلالية في إدارة مصالحها الداخلية والخارجية، بينما تتواجد قوى أخرى تسعى إلى تعزيز موقعها داخل المنظومة عبر أدوار من شأنها ضمان الحد الأدنى من الاستقرار داخل بيئة مشتعلة إقليميا ودوليا، وهو ما يبدو واضحا في الوسطاء، والذين أصبحوا بمثابة الضمانة لمحدودية الحرب وعدم تجاوزها للحد المسموح به.
الأمر نفسه ينطبق على الحرب الأوكرانية، فروسيا ترغب في استعادة مكانتها كقوى مؤثرة في محيطها الإقليمي، بينما تضغط على خصومها في أوروبا الغربية، عبر النفط وسلاسل الإمداد، في حين أن أوكرانيا تسعى لتكون قضية مركزية داخل إقليمها، عبر تحويل موقعها داخل الحرب إلى مدخل دائم لإعادة تعريف دورها داخل أوروبا والمنظومة الغربية، بما يضمن لها حضورا يتجاوز حدود الأزمة نفسها، في حين أن واشنطن تحاول استخدام الأزمة للضغط على الأوروبيين واستنزافهم بما يحقق لها رؤيتها القائمة على إدارة المسافة بينها وبين الحلفاء الذي طالما استمتعوا بمزايا مجانية.
والواقع أن الغنائم في الحروب الحديثة باتت مختلفة عن صورتها التقليدية، فلم تعد تقتصر على السيطرة المباشرة على الأراضي أو الموارد، أو حتى إسقاط الخصم والإجهاز عليه، بقدر ما أصبحت ترتبط بإعادة توزيع النفوذ والأدوار داخل النظام الدولي نفسه، بحيث تسعى كل دولة منخرطة في الصراع إلى تحويل حجم مساهمتها في المعركة إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية طويلة الأمد، سواء عبر تعزيز موقعها الإقليمي، أو توسيع هامش استقلالها، أو الحصول على دور أكبر في إدارة التوازنات الدولية، أو حتى ضمان موطئ قدم داخل سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة التي باتت تمثل أحد أهم عناصر القوة في العالم المعاصر.
ولعل تحول الحرب كـ"سوق للنفوذ"، بديلا خشنا للنهج التقليدي، والذي اعتمد خلال العقود الماضية على الدعم السياسي والعسكري، والأنشطة الاقتصادية، وغيرها من الوسائل الأكثر نعومة، فإن إنهاء الصراع، عبر الحسم النهائي، يمثل إغلاقا لسوقا رائجة، تتوزع خلالها الأدوار والمكانة بين القوى الفاعلة، وهو ما يخلق قدرا من المنافسة بين الدول حول مقدار التأثير بفاعلية على طبيعة المواجهة، بما يحقق لها إمكانية إعادة التموضع، سواء داخل المعسكر الواحد، أو حتى في إطار النظام الدولي برمته.
والمفارقة اللافتة في هذا الإطار تتجلى في أن المكانة الدولية والموقع داخل النظام العالمي باتا يمثلان مكسبا شديد الحساسية، يتأثر بصورة كبيرة بأي تغير في الدور الذي تقوم به الدولة، صعودا أو هبوطا، وهو ما يعني أن قوى مؤثرة قد يتراجع نفوذها خلال فترات قصيرة نسبيا، بينما تصعد قوى أخرى على حسابها، وفقا لمقدار حضورها وتأثيرها داخل ساحات الصراع وإدارة التوازنات الدولية.
وهنا يمكننا القول بأن الانخراط في الحروب الحديثة لم يعد مجرد مشاركة عسكرية ترتبط بالدفاع عن الحلفاء أو مواجهة الخصوم، بقدر ما أصبح بمثابة استثمار سياسي واستراتيجي طويل الأمد، تسعى من خلاله الدول إلى إعادة تموضعها داخل النظام الدولي، وتعزيز مكانتها، وتوسيع هامش نفوذها وتأثيرها في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية، فكلما اتسعت ساحات الصراع وتعددت أدوار الأطراف المنخرطة فيه، تحولت الحرب نفسها إلى مساحة لإعادة توزيع المكانة والنفوذ بين القوى المختلفة، بحيث لم تعد قيمة الدولة تقاس فقط بقدراتها التقليدية، وإنما أيضا بمقدار حضورها وتأثيرها في إدارة الأزمات والصراعات ومساراتها، وهو ما يعكس أن العالم بات أقرب إلى نظام مفتوح لإعادة تسعير الأدوار والمواقع الدولية بصورة مستمرة.