إذا كان الصراع الدولي بات أكثر تعقيدا، ليس فقط في إدارة العلاقة بين أطرافه، في إطار تماهيات ضمنية تضمن حدودا معينة لا يمكن تجاوزها، بحيث لا تفضي إلى إقصاء الخصم أو الإجهاز عليه، وفي الوقت نفسه تسمح بإطالة أمده زمنيا وامتداده جغرافيا، بما يجبر أطرافا أخرى ليست شريكة في جذوره على الدخول إلى ساحة المواجهة عبر مشاركة فعلية، بدلا من الاكتفاء بدعم خطابي يمنح الشرعية لطرف دون الآخر، فإن المعضلة لم تعد تقتصر على الكيفية التي تدار بها العملية الصراعية نفسها، بقدر ما امتدت إلى طبيعة العلاقة بين أطراف المعسكر الواحد، في ظل ما تحمله من خشونة ناجمة عن الانخراط المباشر في أدوار ميدانية واضحة، مقابل ما تتطلع إليه هذه الأطراف من مكاسب وعوائد سياسية أو استراتيجية.
ولعل إدارة التماهيات بين الخصوم كانت موضوعا منفصلا لمقال سابق، في إطار التوافقات الضمنية التي تضبط حدود المواجهة، إلا أن الحفاظ على التماهي داخل المعسكر الواحد يبدو أكثر تعقيدا، في ضوء الرغبة المتبادلة بين أطرافه في تعظيم المكاسب وتقليص الكلفة، وهو ما تسعى القيادة المركزية إلى التحكم في وتيرته، بما يضمن صعودا محسوبا للحلفاء، خاصة وأن الدفع نحو المشاركة الفعلية في الصراع لا يرتبط فقط بتوزيع الأعباء، بقدر ما يمثل أيضا محاولة للحد من ظاهرة الصعود المجاني التي تمتعت بها بعض القوى لعقود طويلة، إلى الحد الذي ضاقت معه المسافة بين الحليف والقيادة، فلم يعد الأول مجرد طرف تتم حمايته أو النأي به عن دوائر الصراع، وإنما أصبح يمتلك من عناصر القوة ما قد يجعله منافسا محتملا على النفوذ والقيادة في المستقبل.
المعضلة في إدارة التماهي داخل أطراف المعسكر الواحد تتجلى في كونها مختلفة عن الماضي، حيث كانت تقوم في التوافق الأيديولوجي والحضاري والإنساني، مع اعتماد كامل على القيادة في التنفيذ، بينما باتت تدور في اللحظة الراهنة على معايير أخرى تقوم في مقدار مساهمة كل طرف، وبالتالي الرغبة في الحصول على مقابل يضاهي مساهمته، وهو ما يمنح قدرا من الاستقلالية في إدارة قرار كل دولة فيما يتعلق بدورها في الصراع بحسب ما تحصل عليه في المقابل.
فإذا نظرنا إلى المعركة الحالية مع إيران، نجد أن ثمة خلافات لم تعد تقتصر على المعسكرات المتقابلة، وإنما امتدت إلى داخل المعسكر الواحد نفسه، وهو ما يبدو في الامتعاض الإسرائيلي من الموقف الأمريكي الذي يبدو أكثر ميلا نحو احتواء التصعيد وفتح المجال أمام وقف إطلاق النار، وهو ما تراه حكومة بنيامين نتنياهو تهديدا مباشرا لمصالحها، التي تعتمد إلى حد كبير على استمرار التصعيد إلى أقصى درجة ممكنة، سواء لتعزيز موقعها الإقليمي المنفرد، أو لتقويض أي محاولات داخلية لإحداث تغيير سياسي. وفي المقابل، يقف الغرب الأوروبي في موقع الحليف الراغب في انخراط محدود يهدف بالأساس إلى حماية مصالحه المرتبطة بحرية الملاحة وأمن الطاقة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
الحالة الراهنة داخل المعسكر الذي تقوده واشنطن تكشف عن معضلة أكثر تعقيدا في إدارة التماهيات بين الحلفاء، حيث تجد القيادة المركزية نفسها بين طرف يدفع نحو تصعيد واسع تتجاوز كلفته حدود الحسابات الأمريكية، وآخر يرى أن دوره يبدأ مع التهدئة واحتواء التداعيات، لا مع الانخراط الكامل في الحرب، وهو ما يعكس أن الحفاظ على تماسك المعسكر لم يعد قائما على وحدة الموقف بقدر ما أصبح يعتمد على القدرة على إدارة التباينات داخله ومنعها من التحول إلى تباعد استراتيجي كامل.
حتى الطرف الآخر من المعركة، والمتمثل في إيران، ربما يواجه معضلة أقل تعقيدا في ضوء احتفاظه بقدر من السيطرة على الوكلاء، إلا أن هذه السيطرة لم تعد مطلقة في ظل مستجدات ترتبط بالأوضاع الداخلية، وحسابات الانخراط في الصراع، ومقدار المكاسب والخسائر الناجمة عنه، وهو ما يبدو مثلا في الحالة العراقية، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحقيق قدر من استقلالية القرار بعيدا عن طهران، رغم احتفاظها بالعلاقة معها، في ضوء توازنات ترتبط بحسابات المواجهة والاستقرار والمصالح الداخلية.
وهنا يبدو دور قيادة المعسكر أكثر تعقيدا في إدارة التماهيات داخل شبكته، خاصة وأن العلاقة لم تعد قائمة على التبعية المطلقة للمركز، سواء على أساس أيديولوجي كما في الحرب الباردة، أو حضاري كما في مرحلة الحرب على الإرهاب في مطلع الألفية، وإنما باتت تقوم بصورة أكبر على إدارة المصالح والمكاسب والخسائر بين أطراف المعسكر الواحد، وهو ما يفرض على القيادة المركزية أدوارا أكثر مرونة تقوم على الاحتواء أحيانا عبر السماح بصعود محسوب لطرف يبدو مؤثرا في معادلة الصراع، أو إعادة ضبط حدود النفوذ والمزايا أحيانا أخرى، سواء عبر تخفيف مظلة الحماية، أو فرض قيود اقتصادية وتجارية، بما يضمن بقاء التباينات داخل حدود يمكن التحكم فيها، دون السماح بتحولها إلى مسارات مستقلة بصورة كاملة.
وهنا يمكننا القول بأن معضلة الصراعات الحديثة لم تعد مقتصرة على إدارة المواجهة مع الخصوم، بقدر ما امتدت إلى إدارة التوازنات داخل المعسكر الواحد نفسه، في ظل اتساع أدوار الأطراف المنخرطة، وتباين حساباتها، واختلاف رؤيتها لطبيعة الصراع وحدود الانخراط فيه. فكلما تحول الصراع إلى نظام تشغيل متعدد الأطراف، لم تعد القيادة قائمة على فرض التبعية الكاملة أو ضمان التطابق المطلق، بقدر ما أصبحت أقرب إلى إدارة مستمرة للتماهيات والتباينات في آن واحد، بما يسمح بالحفاظ على تماسك المعسكر، دون السماح بتحول أطرافه إلى مراكز قوة مستقلة بصورة كاملة، وهو ما يعكس أن التحدي الحقيقي في النظام الدولي الراهن لم يعد فقط في إدارة الحرب نفسها، وإنما في إدارة العلاقات داخل الشبكات التي تخوضها.