حازم حسين

تنّين ومضيق.. وقنبلتان بصاعق واحد

الثلاثاء، 19 مايو 2026 02:00 م


الخوف عبوة غير صالحة لإعادة الاستخدام. وكما لا حاجة للإفراط فى الحديث عن الخطوط الحُمر، إن كنت قادرا على رسمها؛ فلا فائدة من التلويح بها بعدما يتجرأ الطرف الآخر على قفزها.

إنه التوازن الذى يسقط مرة وللأبد، ولا يعتدل مطلقا بعد أن يختل.
والقصد ليس أنَّ تفاوت الأوزان النسبية يذوب ويمّحى تماما؛ إنما أن المعادلة لا يمكن أن تستقيم ويعاد تصليب أركانها القديمة مجددا، حال بقاء طرفيها على حالهما.

يتعذر الحسم، وتستحيل المساكنة؛ ويصير الخيار بين أمرين: استدامة الصراع مع اتخاذه أشكالا مغايرة، أو أن ينزاح طرف من الصورة لصالح الثانى.
أرجأ ترامب زيارته للصين؛ طامعا فى أن يحمل معه شارة النصر على حليفتها الفارسية، واضطر فى النهاية إلى أن يذهب منكسرًا، ويعود مُعترفًا بالإخفاق فى لعبة تطويق بكين.

ما يزال التناقض مع المشروع النووى الإيرانى، أخفض صوتًا وأقل خطرًا من الاشتباك مع التنين الآسيوى، ولعل الأول فرع من الثانى، وخطوة ضمن مسار طويل لتعطيل الزمن، أو استباق «فخ ثيوسيديس».

التقط شى جين بينج طرف الخيط الآخير، وتحدث أمام نظيره عن النظرية التى صُكَّت فى الولايات المتحدة أصلاً، واستُلهمت من التراث الغربى، فى صراع أثينا مع إسبرطة، بدلاً من الاستضاءة بإرث الإمبراطورية الطويل، وتنظيرات «صن تزو» وحِكَم كونفشيوس.

صارت القُطبيّة واقعًا؛ ولو تحاشى طرفاها الاعتراف علنًا لأسبابهما المُختلفة. لكنّ واشنطن لا تضع شيئا قبل غريمتها، ولا ترى عدوًّا أخطر منها، وكل حكاياتها تُفتَتَح وتُختَتم عند أعتاب الحزب الشيوعى، وأمام قبور آبائه المُؤسِّسين، وأُبّهة وريثهم الماكر.

دينج شياو بينج على رأس الأسلاف، وقبلهم جميعًا، وقد استدرك التجربة، وأعاد تنصيبها على تلّة عالية، ومن مأثوراته أنه «لا يهمّ لون القط طالما يصطاد الفئران».

وهكذا امتزجت شمولية الاشتراكية الصلبة بليبرالية الاقتصاد المرن، وتوطّدت صلة البلد الذى لا يُحب العقائد الكبرى، بحليفين مُحافظَين: روسيا الأرثوذكسية، وأُصولية إيران المجونة بماء المذهب والعِرق.

استعادة «شِرعة مونرو» بشأن العالم الغربى غايتها تقليص امتدادات المنافس، وقطع طريقه وتعقيد خيوط الحرير فى شبكته. ترويض فنزويلا فاتحة السلسلة، والتحرّش بطهران حلقة فيها.

كما تنضح الاستراتيجية الأمنية المُحدّثة بالفكرة من كل سطر؛ حتى وضع المخدرات ضمن الجرائم الإرهابية، وقبلها فى الأولوية، مع التذكير مثالاً بأنها تتهم الصينيين بإغراقها بالفنتانيل.

نمذجة الأزمة الشرقية ضمن تلك الصيغة الثنائية، لا تعنى بالمرّة أن دولة الولىّ الفقيه بريئة من جنايات خمسة عقود مضت، ولا أنها هدف ثانوى عارض، وليست مصدرًا أوّليًّا ومُتعاظمًا للخطر على جوارها والعالم.

تتشابك الخيوط فحسب، فتكتسبت بعض الملفات أهمية أكبر ممّا كانت عليه، مع استحقاقها لها منذ البداية، ويُنظَر للحرب على جبهاتها باعتبارها مدخلاً لترشيد كُلفة حروب غيرها، أو الاستعداد لأخرى مُرجأة قبل أن يحين أوانها، وهو آت فى كل الأحوال.

ليس الرئيس الأمريكى كسابقيه، وتَغلُب مزاجيّته على أداء الإدارة، ويتقلّب كالعواصف التى يعرفها طقس الولايات المتحدة؛ لكنه لا يخترع مشكلةً من عدم، ولا يُقْدِم على ما أحجم سواه لفائض وقتٍ وطاقة، إنما تُنجِز الدولة العميقة بيَده ما خاف منه سابقوه أو استعصى عليهم!

أى أنه فاعل، ومفعول به أيضًا. تنصرف إرادته للاستعراض بحثا عن الهالة والاهتمام، وتستخدمه المؤسسات، لاعبة على أوتاره لحنَها المطلوب، مع تفاوت فى الإيقاع يعود لاختلاف العازف؛ لكن النغمة الأساسية واحدة؛ ولو مع رئيس بديل!

لقد بدأ المعركة مُبكّرا فى ولايته الأولى؛ فصعّد ضد الجمهورية الإسلامية، ثم مزّق الاتفاق النووى، واصطبر نحو سنتين قبل أن يقتل قاسم سليمانى جهارا نهارا، ليعود للصمت فى آخر سنة.

ما فكّر فى الحرب وقتها، ولا تمادى فى تحرّشه. جرت مياه فى النهر، وتبدّلت الأوضاع قطعًا؛ لكن الاندفاعة الراهنة لا يُحرّكها غرامه بالحرب، ولا يستقيم أن تكون بإملاءات نتنياهو ولصالحه فحسب؛ إنما تلاقت المصالح على مُضايقة الرديف من جهات شتّى، وبوسائل غير مباشرة.

والمأزق؛ أن الحسابات كلها اختلّت. ما سقط النظام، ولا رضخ كما بِيع له الوهم من الصهاينة. وعلى العكس؛ حُفِّز صقور المُرشدية على اختبار ما كانوا يخشونه، ومُنحوا فرصة ذهبية لاعتلاء التلّ، وامتلاك أثمن أوراقهم على الإطلاق.
كان «حرس الثورة» يُمنّى نفسَه بالسيطرة على مضيق هُرمز، وحدّث بهذا فى السابق، وهدّد به كلما سنحت الفرصة، وآخرها هجمة يونيو الماضى، ولولا العدوان الأخير؛ ما تجرّأوا على التنفيذ.

تضرّرت الدولة بعُمق على المستويات كافةً؛ لكنها الأضرار المُحتملَة حتى الآن.
الموت لا يُؤلم العقائديين، وخبرة الحصار أعمق من موجته الحالية، ونسّاجو السجاد آخر طرفٍ تُحبّ أن تختبر صبره أو تُراهنه على الوقت!
تقلّصت الأهداف من إسقاط النظام، إلى ثلاثية النووى والباليستى والميليشيات، ثم نجح مُفاوضو البازار فى الزج بورقة المضيق ضمن الملف، لينحصر الجدل فى كميات اليورانيوم، ونطاق التخصيب نسبةً وزمنًا، وإعادة «هرمز» لِمَا كان عليه قبل أسابيع!

كان الخلاف على قنبلة؛ فصار على اثنتين. يُفاوض الأمريكيون على الاحتمال المُخيف، ويعتصم الإيرانيون برُعب الواقع.
سَعوا إلى النووى المُلوّث، والآن يمتلكون نسخة نظيفة منه، وأكثر تأثيرًا.

يتحكمّون فى خُمس حركة الطاقة، وفى حصّة مُعتبرة من التجارة الدولية لستِّ دُوَل تمرّ عبر خليج العرب، منها العراق، الحليف المأسور بالميليشيات الولائية.
وذلك؛ مع تضاعيف للتأثير تمسّ كلَّ برميل وحاوية سلع على امتداد العالم، من مُنطَلق التلاعب بسلاسل الإمداد وتوازن العرض والطلب.

استنزف سيّد البيت الأبيض طاقته كلامًا، ويستخفُّ به الملالى وجنرالاتهم. لا مجال لتسعير الحرب مُجدّدًا، ويُوشك أن يفتتح كأس العالم، ومنه للانتخابات النصفية. مُنتهاه ضربة سريعة مُكثفة؛ لن تكون فارقة، ولا تُؤمَن بعدها العاقبةُ وردود المخابيل.

مات الذين اشتبكوا فى الحرب وأغلقوا المضيق، والخَلَف أعجَزُ من التنازل أو تجرُّع كأس السمّ. لا يُمكن أن يقبل ترامب بأقل ممّا مزّقه، وقد قضى سنواتٍ يهجو أوباما واتفاقه. ولن تتخلّى طهران عن «النووى البحرى» النظيف!

إلى نهاية الولاية فى واشنطن، أو سقوط النظام فى طهران بثورة داخلية، وكلاهما شرط للتسوية النهائية.
إنها حرب محكومةٌ بألا تنفجر أو تنطفئ، والعالم مُجبَر عليها لحين التغيير فى عاصمةٍ منهما، أو فى الاثنتين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة