متعة مشاهدة عرض مسرحي لا يضاهيه أية مشاهدة آخرى، فالمسرح – أبو الفنون- عبارة عن حياة كاملة يعيشها جمهور المشاهدين قبل الممثلين على خشبة المسرح خاصة اذا كان العرض تجربة انسانية يتسع مداها وتأثيرها الى خارج أرجاء المسرح نفسه.
فالمسرح مرآة للمجتمعات ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة عميقة للفهم، ومساحة لمواجهة الذات ومعالجة قضايا الإنسان- وكما قال المخرج والممثل الروسي ستانيسلافسكي- ما لم يستطع المسرح أن يعظمك، ويجعلك شخصاً أفضل، فعليك الهروب منه
والمسرح لا يمكن الهروب منه في ظل اصرار أجيال جديدة من الفنانيين الشباب على حمل راية الآباء المؤسسين والرواد الكبار للمسرح المصري من أجل استمرار وتدفق فيض الابداع
وبالتأكيد جميعنا يشعر بالسعادة والفرح حين يرى أنوار خشبات المسرح في مصر مضاءة وتزخر بالعروض وبجيل جديد واعد ومبشر سواء من فرق الهواه أو المحترفين في القاهرة أو في الاقاليم
وهذه الأيام يقام على مسرح السامر بالعجوزة- بعد مرحلة التطوير – والذي أصبح يضاهى بامكانياته الحالية أكبر المسارح في مصر ، المهرجان الختامي لنوادي المسرح بقصور الثقافة في دورته الـ33، والتي تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة لمنطقة اقليم شرق الدلتا الثقافي، ويشارك فيه 8 عروض مسرحية من محافظات الدقهلية والشرقية وكفر الشيخ. وهنا ينبغي توجيه وافر الشكر والتقدير للدكتور هشام عطوة رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة بوزارة الثقافة ومدير مسرح السامر المهندس محمد جابر
وسعدت بالدعوة الكريمة من مخرج وأبطال عرض " سالب واحد" التي تشارك به فرقة دسوق المسرحية في المهرجان الختامي لمشاهدة العرض يوم الجمعة الماضي على خشبة مسرح السامر وبصحبتي حفيدتي الصغيرة " جميلة" التي جلست في الوسط بيني وبين والدتها و:انت شديدة الاعجاب ببطل العرض وهو الطفل المعاق وظلت تردد جملته الأثيرة طوال العرض " هنروح فين يابابا" ..!
وأعترف أن هذه من المرات القليلة جدا التي أشاهد للفرقة عرضا مبهرا ومدهشا وتجربة مسرحية جادة ومؤثرة تضافرت في نجاحها كافة عناصر العمل المسرحى الجاد والناجح من أداء تمثيلي عال المستوى واضاءة وموسيقى وغناء وديكورا معبرا للغاية عن الحالة المسرحية لعرض هو حالة انسانية خاصة وحساسة للغاية
العرض مأخوذ عن الرواية الفرنسية "(أين تذهب يا بابا) للكاتب الفرنسي “جون لوي فورنييه" وهي عبارة عن رواية قصيرة تحكي مأساة أب رزق بطفلين من ذوي الاحتياجات الخاصة.. والبطل في الرواية هو الأب الذي يحكي في سخرية كيف كانت معاناته مع ذلك، ومع ذلك تظهر آلامه بوضوح وراء السخرية المرة التي تتسم بها الرواية. وهي السخرية من الحزن والوجع..
لكن في عرض فرقة دسوق المسرحية يقدم المخرج والممثل الشاب الواعد حسام راشد رؤية مسرحية مختلفة ومميزة حيث يجعل البطل هنا هو الطفل المعاق الذي لا ينطق سوى بجملة واحدة :" هنروح فين يابابا..؟"
لكنه في عالمه الافتراضي الذي تجسده ملاك الحب " الممثلة الشابة سماح منصور" بنعومة ورومانسية راقية يحول الصمت الى لغة متفجرة و الاعاقة الى أسئلة ملغومة في مواجهة مجتمع عاجز عن فهمه وفهم لغته
وأحلامه الصغيرة في أسرة تحبه وترعاه
منذ اللحظة الأولى للعرض الذي لم يستمر سوى 40 دقيقة تقريبا نجد أنفسنا أمام قضية اجتماعية شديدة التعقيد وهي قضية الإختلاف والقبول المجتمعي من خلال قصة إنسانية مؤثرة لطفل معاق
ونجد أنفسنا أيضا أمام معالجة درامية شديدة العمق كما قدمها المخرج الشاب حسام راشد- الطفل المعاق بطل العرض- فهو عائش بين عالمين، عالم المعاق المتسبب في مشكلة اجتماعية كبرى للاب- الفنان الجميل محمد سلام- والأم – الفنانة الرائعة علا عاطف- اللذان يعيشان صراعا نفسيا في كيفية التعامل مع طفلهما والعجز عن خلق لغة مشتركة معه وحلم وأمنية الأب أن يتخلص منه ويستعين بكاهن نصاب- الممثل والمطرب عمرو وحيد- والمدرس – الفنان خفيف الظل ابن مدينة فوة حسين شتية- ومن قبلهما الطبيب العاقل والمتزن – الفنان الرائع منصور الشاذلي-
الرؤية الدرامية المدهشة في عرض " سالب واحد" هو ما قدمه حسام راشد الذي جعل من الطفل المعاق – بطل العرض- هو الراوي أيضا ليكشف عجز كل من حوله في فهمه والتعامل معه وأنه هو الواحد الصحيح وليس سالب واحد وجاء توظيف الرقصات التعبيرية لأطفال الفرقة المسرحية موفقا للغاية.
ويجب الاشادة بالديكور والإضاءة الموسيقى التي عكست الحالة النفسية والتوتر الاجتماعي الذي تعيشه الأسرة، علاوة على التركيز على لغة الجسد لتوصيل مشاعر الشخصيات التي تعجز الكلمات عن وصفها.
وكما قال الكاتب المسرحي الراحل علي سالم :" أنا أكتب لكي نضحك ثم نفكر" وهذا بدقة ما أراده المخرج من العرض والرسالة التي حاول اشراك جمهور الحاضرين وكل من يشاهد العرض فيها ، فمع الكوميديا السوداء يبقى السؤال الوجداني: من هو "السالب واحد" الحقيقي؟ هل هو الشخص المختلف، أم المجتمع الذي يرفض استيعاب هذا الاختلاف؟
وأظن أن رسالة العرض قد وصلت وهدفه النبيل في كيفية تحويل الـ "سالب" إلى رقم صحيح ومؤثر من خلال الحب والاحتواء.
العرض يستحق المشاهدة وهو يثبت أن هناك مواهب فنية ومسرحية كبيرة في كافة أرجاء مصر وداخل نوادي المسرح بقصور الثقافة تحتاج الى العناية بها ورعايتها ودعمها وتشجيعها . وأدعو الصديق العزيز الكاتب الصحفي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للاعلام الى تسجيل مثل هذه العروض واذاعتها عبر قنوات ماسبيرو وخاصة القناة الثقافية ليشاهدها أكبر عدد من المشاهدين
تحية لفرقة دسوق المسرحية على هذا العرض الرائع وتحية لأبطال العرض العرض محمد سلام ومنصور الشاذلي وعلا عاطف وعمر وحيد وحسين شتية وسماح منصور وأحمد محفوظ وكرم خليفه وفرقة الأطفال وتحية للصديق صادق مطاوع مدير قصر ثقافة دسوق
العرض من تأليف محمد عادل النجار، وموسيقي باسم حمد، وطارق شتيه إضاءة محمد عادل مساعد مخرج حسين شتيه، ومخرج منفذ سماح منصور، ومن إخراج و سينوغرافيا حسام راشد