جاءت كلمات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة لتكشف بوضوح عن طبيعة الرؤية الاستراتيجية التي تتحرك بها الدولة المصرية في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل وتؤكد أن الدولة المصرية تؤسس لرؤية تنموية شاملة تقوم على مبادئ الاستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد بكفاءة، وبناء مستقبل قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية العالمية، مما يعكس فلسفة جديدة في التنمية تقوم على الإرادة والعمل والتخطيط طويل المدى، وربط الأمن الغذائي بالأمن القومي، وتحويل الصحراء إلى مساحات منتجة قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار المجتمعي فقد لمسنا في حديث السيد الرئيس إدراكًا بأن التنمية الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على بناء مشروعات تستمر آثارها لعقود طويلة، وتحقق التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
وقد أكد السيد الرئيس أن ما تحقق في مشروع الدلتا الجديدة جاء بفضل الله ثم بجهد الشعب المصري، مما وضح قيمة العمل الوطني المشترك كأساس لتحقيق التنمية المستدامة، وهي رسالة تحمل تقديرًا واضحًا لحجم العمل الذي بذل في هذا المشروع العملاق، كما تعكس إيمان القيادة السياسية بأن الإنجازات الكبرى تُبنى بتكاتف الدولة ومؤسساتها وشعبها ودعا الرئيس المصريين إلى أن يشعروا بالفخر بما يتم إنجازه على أرض الواقع، باعتبار فهذه المشروعات هي تأسيس حقيقي لمستقبل الأجيال القادمة، ورسالة تؤكد قدرة الدولة المصرية على تحويل التحديات إلى فرص تنموية للإنجاز والبناء، من خلال التخطيط العلمي والإدارة الواعية للموارد، خاصة في ظل ما تواجهه المنطقة والعالم من أزمات تتعلق بالغذاء والمياه والطاقة.
وأشار السيد الرئيس إلى حجم التحديات الكبرى التي واجهت تنفيذ مشروع الدلتا الجديدة، وفي مقدمتها تحدي توفير المياه، الذي يعد أحد أخطر الملفات التي تواجه الدولة المصرية في ظل محدودية الموارد المائية والزيادة السكانية المتسارعة، وقد تجلت أبعاد الاستدامة بوضوح في رؤية الدولة لإدارة الموارد المائية، من خلال تبني منهج علمي متكامل قائم على تجميع مياه الصرف الزراعي ومعالجتها معالجة ثلاثية ثم إعادة استخدامها في الزراعة، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وتحقيق الاستخدام الرشيد للمياه، كما تم نقل هذه المياه عبر مسارات عملاقة أُنشئت بعكس الميل الطبيعي للأرض، الأمر الذي تطلب تنفيذ محطات رفع ضخمة وشبكات هندسية متطورة، في صورة تعكس حجم الجهد والإرادة التي تبذلها الدولة لتجاوز التحديات وتحقيق التنمية المستدامة، ويعكس هذا التوجه استثمارًا واسعًا في البنية الأساسية يضمن استمرارية الإنتاج الزراعي والتوسع في الرقعة المزروعة دون الإضرار بالموارد الطبيعية، بما يؤكد الترابط الوثيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، خاصة في ظل التحديات البيئية والمناخية المتسارعة.
ولتحقيق الاستدامة الاقتصادية، أكد السيد الرئيس أن مشروع الدلتا الجديدة يوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة، بما يعكس توجه الدولة نحو بناء اقتصاد إنتاجي قائم على التشغيل الحقيقي وتعزيز فرص العمل طويلة الأجل، فالتنمية المستدامة ترتبط بزيادة معدلات الإنتاج، وبقدرة المشروعات القومية على خلق فرص عمل دائمة، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم، يمثل مشروع الدلتا الجديدة نموذجًا متكاملًا للتنمية التي تربط بين الاستثمار والإنتاج والتشغيل في إطار رؤية اقتصادية طويلة المدى تستهدف بناء قاعدة تنموية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته التنافسية، ولعل اللافت في حديث الرئيس ما حمله من دلالات واضحة تتعلق بالاستدامة الزراعية، حيث أوضح أن الدولة تتحرك وفق رؤية استراتيجية تحقق التكامل بين الأراضي الزراعية القديمة والجديدة، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، فاستمرار زراعة المحاصيل التقليدية في أراضي الوادي والدلتا ذات الإنتاجية المرتفعة، بالتوازي مع التوسع في زراعة المحاصيل الملائمة للأراضي الصحراوية في المناطق الجديدة، يعكس إدارة علمية رشيدة للموارد الزراعية والمائية، ويحقق أعلى درجات الكفاءة والإنتاجية، كما يسهم هذا التوجه في دعم استدامة القطاع الزراعي، وزيادة قدرته على تلبية احتياجات السكان، وتعزيز الأمن الغذائي في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية المتسارعة.
كما حملت كلمات السيد الرئيس رسائل مهمة تتعلق بطبيعة التنمية التي تسعى الدولة المصرية إلى تحقيقها، حيث أكد أن التنمية عملية مستمرة لا تتوقف، وأن الطموح نحو التقدم والبناء لا حدود له، وعكست هذه الرؤية إدراكًا قويًا بأن بناء الدول الحديثة يتحقق من خلال عمل متواصل ورؤى استراتيجية متكاملة تتراكم فيها الإنجازات وتتداخل فيها القطاعات التنموية المختلفة، وقد تجلى ذلك في المشروعات الزراعية والتنموية التي تنفذها الدولة في مناطق متعددة مثل المنيا وبني سويف وتوشكى وشرق العوينات وسيناء، بما يؤكد أن مشروع الدلتا الجديدة جزء من رؤية وطنية شاملة تستهدف إعادة توزيع التنمية، وتوسيع نطاق العمران والإنتاج، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة في مختلف أنحاء الجمهورية، كما يعكس هذا التوسع في تنفيذ المشروعات القومية تبني الدولة لرؤية تنموية مستدامة تقوم على التكامل بين المشروعات والقطاعات المختلفة، بما يحقق التوازن بين التنمية الزراعية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية، فالتنمية المستدامة عملية ممتدة تتطلب استمرارية العمل، وتكامل الخطط والاستراتيجيات، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات الحاضر وضمان حقوق الأجيال القادمة، وهو ما تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخه من خلال مشروعاتها القومية الكبرى.
ومن القضايا المهمة التي تناولها السيد الرئيس قضية الأمن الغذائي، حيث أشار إلى صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المحاصيل في معظم دول العالم، مؤكدًا أن الإنتاج الزراعي تحكمه عوامل متعددة تتعلق بالمياه والمناخ والبيئة، وتعكس هذه الرؤية فهمًا واقعيًا لطبيعة الاقتصاد العالمي والتحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد والغذاء، وفي الوقت ذاته تؤكد حرص الدولة المصرية على تقليل الفجوة الغذائية وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات الدولية، بما يدعم الأمن القومي ويحقق الاستدامة الاقتصادية والغذائية، كما تدعو إلى التوسع في المشروعات الزراعية الكبرى، وبناء منظومة إنتاجية أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة للسكان، كما تم التأكيد على أهمية دور القطاع الخاص كشريك أساسي في عملية التنمية وتحقيق الاستدامة المؤسسية، حيث تعمل الدولة بالشراكة مع الشركات الخاصة في عمليات الزراعة والإنتاج، ويؤكد هذا التوجه إيمان الدولة بأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب شراكة فاعلة تسهم في تعزيز الاستثمار والإنتاج ونقل الخبرات وتوفير فرص العمل، بما يضمن استمرارية المشروعات القومية وتعظيم عوائدها الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والتنافسية والاستقرار طويل المدى.
كما أولى السيد الرئيس اهتمامًا كبيرًا بقضية توفير فرص العمل، مشيرًا إلى أن مشروع الدلتا الجديدة يوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة، بما يعكس البعد الاجتماعي والإنساني للمشروع، وتوجه الدولة نحو تنمية ترتكز على الإنسان وتحسين جودة الحياة وتعزيز العدالة التنموية بين مختلف المناطق، فالمشروع يسهم في إنشاء مجتمعات عمرانية وتنموية جديدة، والحد من البطالة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والربط بين التنمية الزراعية والعمرانية، من خلال التوسع في إنشاء مجتمعات جديدة وتخفيف الضغط السكاني عن الوادي والدلتا، بما يحقق إعادة توزيع التنمية والسكان في إطار رؤية تقوم على التوازن بين الموارد الطبيعية والنمو السكاني ومتطلبات التنمية المستدامة، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مشروع الدلتا الجديدة يمثل نموذجًا عمليًا لرؤية الدولة المصرية في تحقيق التنمية المستدامة، من خلال الإدارة الرشيدة للموارد، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتوسيع الرقعة العمرانية، ودعم الاقتصاد الوطني، وهذا يؤكد أن بناء المستقبل يتحقق بالعمل والعلم والتخطيط طويل المدى، وأن الدولة المصرية تمضي بخطوات ثابتة نحو بناء نموذج تنموي متكامل قادر على مواجهة تحديات الحاضر، وضمان حقوق الأجيال القادمة في التنمية والحياة الكريمة والاستقرار.