تُعد فترة حبرية البابا كيرلس الخامس، البطريرك الـ112 فى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، واحدة من أطول الفترات في تاريخ البطاركة، حيث امتدت لأكثر من 52 عامًا، شهدت خلالها الكنيسة تحولات كبرى على المستويين الكنسي والوطني، إلى جانب نهضة تعليمية وروحية واسعة امتدت آثارها لعقود طويلة.
انتخاب تاريخي وبداية عصر جديد
وبعد رحيل البابا ديمتريوس الثاني عام 1870م، ظل الكرسي المرقسي شاغرًا لعدة سنوات، إلى أن تم اختيار الراهب يوحنا الناسخ بطريركًا باسم البابا كيرلس الخامس عام 1874م. وجاء انتخابه في وقت دقيق شهد فيه تأسيس المجلس الملي، الذي بدأ في تنظيم الإدارة الكنسية بشكل مؤسسي لأول مرة، مما شكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة القبطية.
أطول حبرية في تاريخ البطاركة
وامتدت فترة جلوس البابا كيرلس الخامس من 1 نوفمبر 1874م حتى 7 أغسطس 1927م، ليصبح بذلك صاحب أطول فترة جلوس على الكرسي البابوي في تاريخ الكنيسة، حيث عاصر خلالها خمس مراحل حكم في مصر بدأت بالخديوي إسماعيل وانتهت بالملك فؤاد الأول، ما جعله شاهدًا على تحولات سياسية كبرى في تاريخ البلاد.
نهضة كنسية وتعليمية واسعة
وشهد عصره اهتمامًا كبيرًا ببناء الكنائس وتجديد الأديرة، إلى جانب دعم الفقراء والرهبان. كما أعاد فتح المدرسة الإكليريكية، وظهر في عهده دور بارز للأرشيذياكون حبيب جرجس في تأسيس مدارس الأحد، التي أصبحت لاحقًا حجر الأساس في التعليم الكنسي الحديث. كما ازدهرت المدارس القبطية وانتشر التعليم الديني والثقافي بشكل واسع.
الكنيسة في قلب الحياة الوطنية
ولم يقتصر دور البابا كيرلس الخامس على الجانب الروحي فقط، بل شارك أيضًا في الحياة الوطنية، حيث ساند الحركة الوطنية في بعض مراحلها، وكان عضوًا في مجلس شورى القوانين، مما يعكس دور الكنيسة في التفاعل مع قضايا المجتمع المصري آنذاك.
إرث روحي وعلمي خالد
وامتد تأثيره إلى دعم اللغة القبطية وإحياء التراث الكنسي، كما شهد عصره ظهور شخصيات روحية وعلمية بارزة مثل الأنبا أبرآم والقمص عبد المسيح صليب البرموسي. وبعد رحلة حبرية استمرت أكثر من نصف قرن، تنيح البابا كيرلس الخامس عام 1927م، تاركًا إرثًا كنسيًا وتعليميًا وروحيًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.