كل صباح، تفتح مراكز الأورام أبوابها لعشرات الوجوه التي تحمل الحكاية نفسها وإن اختلفت الأسماء، ففي ممرات مراكز الأورام، لا يسمع المرضى فقط كلمات الأطباء، بل يسمعون أيضًا صوت الخوف داخلهم، خوف أمّ لا تعرف هل ستبقى بجوار أطفالها بما يكفي لترى أحلامهم تكبر، وخوف أب يحاول أن يبدو قويًا بينما ينهار داخله مع كل تحليل جديد، وخوف شاب لم يبدأ حياته بعد لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة مرض يلتهم العمر والأمان معًا، بينما هناك فتاة تخفي دموعها وتحاول أن تبدو قوية أمام والدتها، وداخل هذه الممرات لا يسير المرضى بأقدامهم فقط، بل يسير معهم الخوف، والألم، فضلا عن التساؤلات التي لا تنتهي عن رحلة مخيفة من المجهول.
أقسى ما يواجه مريض السرطان ليس دائمًا الألم الجسدي، بل تلك اللحظة التي يخبره فيها الطبيب أن هناك علاجًا قد يمنحه فرصة حقيقية للحياه، ثم يكتشف أن ثمن هذه الفرصة باهظاً بل أكبر من قدرته المادية، ليجلس المريض صامتًا يفكر كيف سيحصل على جرعته القادمة الباهظة الثمن دون السؤال أو الاحتياج لأي شخص.
في السنوات الأخيرة، تطور علاج السرطان بشكل هائل في العالم، حيث ظهرت أدوية العلاج المناعي التي تساعد جهاز المناعة على مواجهة الورم السرطاني، وظهرت العلاجات الموجهة التي تستهدف الخلايا السرطانية بدقة أكبر من العلاج الكيماوي مع وجود آثار جانبية أقل، وأثبتت الأبحاث العلمية أن هذه العلاجات لم تعد رفاهية طبية أو مجرد خيارات إضافية، بل أصبحت أملًا حقيقيًا لآلاف بل ملايين المرضى الذين لم تعد أجسادهم تتحمل المزيد من العلاج الكيماوي القاسي دون أمل أو استجابة، ولكن المآساة بأن هذه الأدوية الحديثة برغم توفرها لم تدرج حتى الآن ضمن بروتوكولات علاج الأورام بمستشفيات التأمين الصحي أو قرارات نفقة الدولة.
العلاج المناعي والموجّه.. بين ثورة طبية وفاتورة النجاة
المأساة الحقيقية تبدأ عندما يسمع المريض اسم العلاج ثم يكتشف أن ثمنه يفوق قدرته تمامًا، ليخرج بعض المرضى من عيادات الأطباء مصابين باليأس بدلا من الأمل، ثم يعودون إلى منازلهم محملين بالعجز بعد أن علموا بثمن جرعة واحدة من علاجهم المناعي أو الموجه قد تساوي مرتب شهور أو سنوات.
المؤلم أكثر أن هذه الأدوية موجودة في مصر، فمثلا العلاج المناعي مثل "كيترودا"، وبعض العلاجات الموجهة الحديثة، متوفرة بالفعل داخل مراكز الأورام، لكن كثيرًا منها لا يزال خارج بروتوكولات التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، أو متاحًا فقط من خلال وحدات العلاج بأجر، أي أن العلاج موجود داخل نفس المستشفى الذي يجلس فيه المريض، لكنه يظل بعيدًا عنه فقط لأنه لا يملك ثمنه، والسرطان لا يختار ضحاياه بناءً على دخلهم، ولا يفرق بين غني وفقير، ولذلك لا يجب أن يتحول العلاج إلى امتياز لمن يستطيع الدفع فقط، فأقسى ما قد يشعر به مريض السرطان، ليس ألم المرض نفسه، بل استيعابه بتوفر العلاج، لكنه بعيد عنه بثمن لا يقدر عليه.
هناك مرضى اضطروا لبيع ممتلكاتهم من أجل استكمال جرعاتهم، وآخرون أوقفوا العلاج رغم استجابتهم له لأن التكلفة أصبحت فوق طاقتهم، وآخرون لم يبدأوا العلاج من البداية لأنهم أدركوا منذ اللحظة الأولى أنهم لا يستطيعون تحمل النفقات، أصبحت فرص النجاة أكبر لمن يملك المال من المرضى، ورغم هذه المعاناه بين ممرات مراكز الأورام، تبنى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مبادرة رئاسية لتوفير هذه العلاجات لبعض حالات سرطان الثدي ضمن المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن مرض السرطان، ومنحت كثيرًا من المريضات فرصة حقيقية للحياة، وهذه خطوة عظيمة تستحق الاحترام والتقدير، لكنها فتحت في الوقت نفسه باب الأمل لباقي مرضى السرطان، الذين يتمنون أن تمتد هذه العدالة إليهم أيضًا.
ولأن هذه الأدوية خارج بروتوكولات علاج الأورام بمستشفيات التأمين الصحي أو نفقة الدولة، تبقى مريضة سرطان الثدي لديها فرصة للحصول على العلاج المناعي أي فرصة للنجاة، بينما مريض سرطان الرئة أو القولون أو المعدة قد يُحرم من العلاج نفسه رغم احتياجه الطبي إليه، ومازالت بعض العلاجات المناعية مثل حقنة "كيترودا" والعلاجات الموجهة الفعالة خارج البروتوكولات الرسمية رغم أن نتائجها قد تصنع فارقًا حقيقيًا في حياة المرضى.
مرضى السرطان اليوم لا يطالبون برفاهية، ولا يبحثون عن امتيازات خاصة، بل يطالبوا بحق إنساني بسيط، وهو أن يحصل مريض السرطان على فرصة عادلة في العلاج، بغض النظر عن قدرته المادية، لذلك هم اليوم يناشدون الدولة المصرية ووزارة الصحة وهيئات التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، بإصدار قرار عاجل بإدراج أدوية العلاج المناعي والعلاجات الموجهة الحديثة ضمن البروتوكولات العلاجية الرسمية لجميع مرضى السرطان المستحقين طبيًا، فالمريض لا يحتاج الشفقة بقدر ما يحتاج قرارًا يمنحه حقه في الحياة، ويحتاج أن يشعر أن دولته لا تتركه وحيدًا أمام مرض قاسٍ وتكاليف أكثر قسوة.