شريف عارف

وقفة وفاء مع لحظة تاريخية

الخميس، 14 مايو 2026 03:46 م


لديَّ قناعة كبيرة بأنه لا إعلام بلا ثقافة، ولا ثقافة بلا إعلام. فلا إعلام بلا مضمون ثقافي يثري المجتمع، ولا ثقافة بلا شكل إعلامي ينقل رسالتها على النحو الأمثل.

تشرفت بحضور حلقة مميزة من "صالون ماسبيرو"، الذي تنظمه الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني. وكانت الحلقة ضيفها الكاتب الكبير والشاعر القدير فاروق جويدة، في حوار أدارته باقتدار الإعلامية المتألقة ريهام الديب.

كان اللقاء ممتعًا وشيقًا، بحجم ما يمثله فاروق جويدة، ليس لجيلنا فحسب، بل لأجيال متعاقبة، فهو فارس من فرسان القوة الناعمة المصرية في العصر الحديث، استطاع على مدار أكثر من نصف قرن أن يترك بصمة واضحة في الشعر والصحافة والثقافة العربية عمومًا، جامعًا بين رهافة القصيدة وقوة بناء الموقف الفكري والإنساني، وربما الموقف السياسي أيضًا.

وجويدة، القادم من أعماق ريف مصر - والذي حدد أنه في نزاع بشأن انتمائه لمحافظتي كفر الشيخ والبحيرة - ارتبط اسمه منذ بداياته الإبداعية بقصائد الحب والوطن، قبل أن يتحول إلى واحد من أهم الأصوات الثقافية والصحفية في مصر والعالم العربي.

وفي سرد ممتع، تجول "جويدة" مع ضيوف الصالون في رحلة طويلة وعميقة، منذ بداية حياته المهنية عقب تخرجه عام 1968، وعمله محررًا اقتصاديًا في صحيفة "الأهرام" تحت رئاسة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، والذي ترك أثرًا كبيرًا في تشكيله الصحفي ككاتب.

ولدى انضمامه إلى "الأهرام"، كان فاروق جويدة لا يزال متأثرًا - شأنه شأن أبناء جيله - بالتحولات الكبرى في الشخصية المصرية، والتي أعقبت هزيمة يونيو 1967، التي كانت بمثابة صدمة فكرية ونفسية لجيل الستينيات عمومًا. فقد دفعت الهزيمة المثقفين والطلاب إلى تجاوز الشعارات والخطابات التقليدية، والبحث عن أسباب الانكسار الحقيقي، لتبدأ مرحلة جديدة من النقد وتشريح الواقع العربي سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وهو ما عمل عليه "جويدة" خلال رحلته الإبداعية.

وقال الكاتب الكبير إن دخوله إلى القسم الاقتصادي جاء - بحسب وصفه - "مضطرًا"، إلا أنه تعامل مع التجربة الجديدة بجدية كبيرة، حتى جاء عام 1976، والذي أصدر فيه كتابه الشهير "أموال مصر.. كيف ضاعت"، الذي تطرق فيه إلى قضايا مهمة وملفات تتعلق بالمال العام في ذلك التوقيت.

ولا ينسى "جويدة" يوم رحيل "هيكل" من الأهرام، وكيف أثر ذلك في وجدانه. وقتها قرر أن يذهب إلى نجار، لكي يصنع له مكتبًا ومكتبة يضع فيهما كتبه وأوراقه، تحسبًا لأي وقت يمكن أن يغادر فيه "الأهرام"!

ورغم ذلك، كانت ميوله الأدبية والثقافية دومًا ما تدفعه إلى مسار آخر، لينتقل بعد ذلك إلى العمل الثقافي داخل المؤسسة، وخاصة بعدما أصبح سكرتيرًا للتحرير ومناوبًا عن الفترة الليلية. وفي هذا التوقيت، طلب منه الكاتب الراحل يوسف السباعي، في عام 1978، أن يؤسس أول صفحة ثقافية يومية في "الأهرام"، والتي سرعان ما تحولت إلى منصة مهمة للحوار الفكري والإبداعي داخل المجتمع، وانتقل صداها إلى الواقع العربي.

وعبر ثمانية عقود، كانت تجربة فاروق جويدة - أمد الله في عمره - الشعرية فريدة، جمعت بين خبرة الكتابة الأدبية والتخصص، قافزة إلى قلب وجدان القارئ العربي، خاصة لدى فئة الشباب التي تأثرت به كثيرًا، فقد جمع في قصائده بين البساطة والعمق وصدق العاطفة، مقدمًا أعمالًا حملت طابعًا إنسانيًا ووطنيًا مرتبطًا بالحياة اليومية للناس.

وتُعد تجربة "جويدة" الشعرية تجربة فريدة ومتنوعة، قدم خلالها عددًا من أبرز الدواوين، منها: "في عينيك عنواني"، و"لأني أحبك"، و"زمان بلا عنوان"، وهي أعمال لا تزال تعيش بيننا حتى اليوم.. وستعيش.

إضافة إلى كل ذلك، قدم "جويدة" عددًا من المسرحيات الشعرية المهمة، التي ناقشت قضايا تاريخية وسياسية جدلية، منها "دماء على ستار الكعبة" و"الوزير العاشق"، وهو ما يميزه - حسب تأكيده - عن الشاعر الكبير نزار قباني.

وعبر هذه الرحلة الطويلة، كانت مقالات فاروق جويدة اليومية في "الأهرام"، بمثابة الناقوس الذي يدق من أجل أن يوقظ الناس، متناولًا القضايا السياسية والثقافية والمجتمعية بأسلوب تحليلي ناقد، تميز بالموضوعية والعمق.

وتحدث جويدة - خلال الصالون - عن أن الثقافة تمثل حجر الأساس في تكوين الشخصية المصرية، وأن أكبر خطر يهدد الهوية المصرية هو تراجع دور الفنون والإبداع.

كما تطرق "جويدة" إلى تجربة فريدة يعكف عليها الآن، تروي، في سلسلة مقالات، مواقف لرموز الثقافة المصرية وعلاقته بهم، فقد حالفه الحظ بأن يكون حلقة وصل كبيرة بين جيل الرواد والأجيال الجديدة من الكتاب والمبدعين، بعدما عاصر أسماء كبرى في الأدب والصحافة المصرية داخل مؤسسة "الأهرام"، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي وإحسان عبد القدوس وغيرهم.

وهذه التجربة الإبداعية الجديدة قال عنها "جويدة" إنها ستكون بمثابة "وقفة وفاء مع لحظة تاريخية".

Sherifaref2020@gmail.com




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة