فى مدخل العمارة التى حلم بها طويلًا، عاد جثمانه محمولًا بعد رحلة علاج أخيرة، رقد الجسد وحيداً فى مدخلها ليلة كاملة، بينما كانت صورة هذا المبنى الضخم الفخم الذى بناها بعرقه وجهده لا تزال فى جيبه، كأن القدر أراد أن يختصر حكاية الفنان الكبير أنور وجدي فى مشهد واحد، فتى فقير وقف يومًا أمام العمارات الفخمة يتمنى أن يصبح من ملاكها، يدعو الله أن يمنحه المال حتى وإن أخذ منه الصحة، فالمال يمكنه شراء العلاج بينما الفقر يقتل الأحلام، هكذا اعتقد واجتهد كى يحقق حلمه، حتى صار واحدًا من كبار المنتجين وصناع السينما، قبل أن يخطفه المرض والموت مبكرًا، دون أن يهنأ بما جمعه ولا يحقق كل الأحلام التى رسمها لنفسه وللسينما المصرية.
فى مثل هذا اليوم الموافق 14 مايو 1955، رحل أنور وجدى بعد رحلة قصيرة مع الحياة، لكنها كانت من أكثر الرحلات ثراءً وصخبًا ومفارقات فى تاريخ الفن المصرى،عاش خمسين عامًا فقط، لكنه وصل فيها لقمة كل شيء وعكسه، الفقر الجوع، والخوف والطموح، والحب والغيرة، والنجاح والمرض، حتى تحول من كومبارس صغير فى فرقة رمسيس إلى واحد من أهم نجوم وصناع السينما المصرية ممثلًا ومنتجًا ومخرجًا ومؤلفًا، وصاحب مشروع فنى سبق عصره.
ولد أنور وجدى فى حى الضاهر بالقاهرة عام 1904، واسمه الحقيقى محمد أنور يحيى الفتال ، لأب سورى كان يعمل فى تجارة الأقمشة وأم مصرية، وجاءت الأسرة إلى مصر بعد أن تعرض الأب للإفلاس وبارت تجارته، فعاشت العائلة ظروفًا قاسية تركت آثارها مبكرًا فى نفس الطفل الصغير، الذى أدرك معنى الخوف والفقر قبل أن يعرف الشهرة والأضواء.
دخل أنور مدرسة الفرير الفرنسية وأتقن اللغة الفرنسية، لكنه لم يكمل تعليمه بسبب الظروف الصعبة وشغفه المبكر بالفن، وكان يحمل داخله طموحًا هائلًا وإصرارًا عنيدًا على النجاح، فعمل فى فرق صغيرة حتى تمكن بعد محاولات عديدة من الالتحاق بفرقة رمسيس، ليبدأ رحلته الحقيقية تحت قيادة الفنان الكبير يوسف وهبي.
وكان أنور وجدى شديد الخوف والاحترام لأستاذه يوسف وهبى، إلى درجة أنه كان يبكى إذا تعرض لانتقاد منه أثناء البروفات خوفًا من أن يطرده من الفرقة، وظل طوال حياته يتذكر صفعة تلقاها من أستاذه فى بداياته، حين تأخر فى أحد عروض الفرقة بمدينة دمنهور، وحكى أنور وجدى بنفسه تفاصيل الواقعة فى أحد حواراته النادرة، قائلاً إنه بعد انتهاء المشهد فوجئ بيوسف وهبى ينتظره فى الكواليس، ثم صفعه بقوة حتى سقط مغشيًا عليه، ولم يكتف بذلك بل أمر بخصم ثلاثة أيام من راتبه.
لم يبكى أنور وجدى وقتها من ألم الصفعة، بل خصم الأيام الثلاثة، لأن راتبه الصغير كان بالكاد يكفيه، وظل يتذكر الواقعة حتى بعدما أصبح أكبر منتج فى مصر، وكان كلما قابل يوسف وهبى يقول له ضاحكًا: "فاكر يا يوسف بيه لما ضربتنى بالقلم على صرصور ودنى؟".
ورغم أنه أصبح لاحقًا نجمًا وصاحب نفوذ، ظل احتفاظه بمكانة أستاذه كما هى، وعندما استعان به فى فيلم «غزل البنات» كتب اسمه على التتر مسبوقًا بعبارة: «اشترك فى التمثيل صاحب العزة يوسف بك وهبى»، فى مشهد يكشف وفاء التلميذ الذى لم ينس فضل أستاذه.
وكان خوف أنور وجدى من يوسف وهبى يصل أحيانًا إلى حد الطرافة، فقد حكى أنه كان يجلس مع أصدقائه فى أحد مقاهى الحسين ويدخن، فصرخ أحدهم مداعبًا: «الحق يا أنور يوسف بك جاى»، فارتبك الشاب الصغير وأخفى السيجارة المشتعلة فى جيبه حتى لا يراه أستاذه يدخن، دون أن ينتبه إلى وجود علبة كبريت فى الجيب نفسه، فاشتعلت النار فى ملابسه وكاد يحترق حيًا، وخسر يومها «الجاكت الوحيد» الذى يملكه.
لكن حياة أنور وجدى لم تكن فقط حكايات طريفة، بل كانت أيضًا سلسلة من المخاطر والمعارك التى خاضها فى سبيل حلمه، وفى أحد الحوارات النادرة، بمجلة الكواكب روى كيف كاد يفقد حياته فوق المسرح أثناء تقديم مسرحية «الجريمة والعقاب»، ففى مشهد يتناول فيه السم ويثور بعنف، اصطدمت العصا التى يحملها بآنية زهور فسقطت فوق رأسه وتحطمت، ثم سقط بعدها الرف الخشبى بالكامل فوقه، فانهار فاقدًا الوعى بينما كان الجمهور يصفق بحرارة ظنًا منه أن ما يحدث جزء من براعة الأداء.
وكان أنور وجدى يملك ذكاءً استثنائيًا، ليس فقط كممثل، بل كصانع سينما ورجل يعرف كيف يحول الفن إلى مشروع كبير، فقد استطاع خلال سنوات قليلة أن ينتقل من الفقر المدقع إلى الثراء الواسع، وأن يتحول من «كومبارس» فى فرقة رمسيس إلى أكبر منتج سينمائى فى مصر، وصاحب عقلية إنتاجية وتجارية سبقت زمنها.
وكان دائم التفكير فى المستقبل، مهووسًا بالتطوير السينمائى، حتى إنه بدأ مبكرًا فى التخطيط لأفلام مشتركة مع السينما الإيطالية، وسافر أكثر من مرة إلى إيطاليا واجتمع بعدد من كبار السينمائيين هناك للاتفاق على مشاريع ضخمة، كما كان يخطط لإنتاج فيلم ملون بطولة فريد الأطرش وليلى فوزي، لكن الموت لم يمهله.
وبعد وفاته، كشفت الصحف أن الورثة عثروا داخل شقته على عشرين قصة سينمائية اشتراها بالفعل، وكان يخطط لتقديمها خلال خمس سنوات بمعدل أربعة أفلام سنويًا، بما يؤكد أن الرجل الذى رحل مبكرًا كان يحمل الكثير من الأحلام والمشاريع.
وربما كان أكثر ما يميز حياة أنور وجدى هو تلك المفارقات النفسية الغريبة التى ظلت تطارده حتى النهاية، فالفنان الذى امتلك العمارات الفخمة كان يخاف السكن فى الطوابق المنخفضة بسبب حادثة قديمة من طفولته، حين اقتحم لص شقة أسرته بالطابق الأول وهدده بسكين وهو طفل صغير، فظل بعدها يعانى من الرعب من الشقق القريبة من الأرض، ولهذا اختار السكن فى الطابق الحادى عشر بعمارة الإيموبيليا.
ورغم نجاحه وثروته، ظل الفقر القديم يسكن داخله، فقد اشتهر أنور وجدى بأنه وقف يومًا أمام إحدى العمارات الكبرى فى القاهرة وتمنى أن يصبح من أصحاب الأملاك، وحين قال له صديق إن الصحة أهم من المال، رد أنور قائلاً إن المال يجعله يستمتع بالحياة ويعالجه إذا مرض، وإنه يتمنى أن يصبح من أصحاب العمارات حتى لو أصابه المرض.
وبالفعل تحققت الأمنية، ففى عام 1954 نشرت مجلة «الكواكب» موضوعًا عن عمارات الفنانين، وكان من بينهم عمارة أنور وجدى الضخمة بالقرب من ميدان الفلكى، والتى كان يجرى تشطيبها فى ذاك الوقت، وتتكون من 14 طابقًا، حرص وجدى أن يجعل الطابق الأخير عبارة عن فيلات أنيقة بحدائق صغيرة، بينما خصص الطابق الأول للمكاتب السينمائية.
لكن المفارقة القاسية أن المرض باغته قبل أن يهنأ بعمارته التى حلم بها طويلًا، فسافر للعلاج، ومعه عروسه ليلى فوزى، بعد طلاقه من ليلى مراد، ولكن تدهورت حالته الصحية، حتى أنه فقد البصر، وأعلن أنه سيمنح الطبيب الذى يستطيع علاجه أغلب ثروته، ثم أعلن أنه على استعداد لدفع ثروته مقابل أن يستطيع تناول ساندوتش طعمية، ولكن الأموال لم تتمكن من علاجه وإعادة صحته، فعاد جثمانًا هامدًا، بينما بقيت صورته فى مدخل العمارة شاهدًا على حكاية صعود مذهلة انتهت سريعًا.
هكذا عاش أنور وجدى حياته كلها؛ طفلًا خائفًا يحاول أن ينتصر على فقره وضعفه، وفنانًا موهوبًا يجرى وراء المجد، ورجلًا يحمل داخله قلقًا دائمًا من الزمن والمرض والفقد، وربما لهذا كان يعمل بلا توقف، ويبنى ويخطط وينتج وكأنه يشعر أن العمر لن يطول.
رحل أنور وجدى مبكرًا، دون أبناء، ودون أن يحقق كل أحلامه، لكن ما تركه خلفه كان أكبر من عمره القصير، فقد ترك أفلامًا صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ السينما المصرية، وترك نموذجًا لفنان بدأ من الصفر ووصل إلى القمة بإصراره وذكائه وموهبته.
وربما كانت صورته الأخيرة هى الأكثر تعبيرًا عنه، رجل عاد جثمانًا من رحلة العلاج، بينما بقيت فى جيبه صورة العمارة التى حلم بها طويلًا، وكأن الدنيا أرادت أن تقول له فى النهاية إن الإنسان قد يملك الدنيا كلها، لكنه لا يملك أن يبقى فيها.