تتزايد في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة أهمية التحركات الدبلوماسية رفيعة المستوى الهادفة إلى إعادة صياغة المعادلات الدولية بصورة أكثر إنصافاً للدول النامية، وعلى رأسها دول القارة الإفريقية، التي تتحمل أعباء أزمات عالمية متلاحقة، وقد عكست القمة إدراكاً متزايداً لدى القوى الدولية لأهمية الشراكة مع إفريقيا باعتبارها شريكاً رئيسياً في معادلات الاقتصاد العالمي والأمن والاستدامة، وبدأ المشهد الدبلوماسي بوصول السيد الرئيس إلى مقر القمة، حيث كان في استقباله الرئيس الكيني ويليام روتو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مشهد يحمل دلالات سياسية ورمزية تعكس تقاطع دوائر الاهتمام الإفريقية والأوروبية، وتؤكد الحاجة إلى بناء حوار أكثر توازناً وفاعلية حول مستقبل التنمية في القارة السمراء، كما ترجمة هذه اللقاءات حرص مصر على تعزيز دورها كصوت معبر عن أولويات القارة الإفريقية، والدفاع عن حق شعوبها في نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة واستدامة.
وقد عبر السيد الرئيس في كلمة مصر عن الشواغل الوطنية وحملت صوت القارة الإفريقية وأولوياتها التنموية، مقدمة تشخيصاً دقيقاً لتداعيات الأزمات العالمية المتشابكة على اقتصادات الجنوب، ومقترحة مسارات واضحة للإصلاح المالي والسياسي على المستوى الدولي، وقد عكست الكلمة رؤية متكاملة تنطلق من ضرورة بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً وعدالة، يراعي الفوارق التنموية بين الدول ويمنح الاقتصادات الناشئة فرصاً حقيقية للنمو المستدام، واستهل السيد الرئيس كلمته بلياقة دبلوماسية رفيعة، موجهاً خالص الشكر والتقدير لحكومة وشعب جمهورية كينيا على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، ومثمناً مبادرة الرئيسين ويليام روتو وإيمانويل ماكرون لعقد هذه القمة المهمة، بما يعكس روح الشراكة والمسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، كما أشاد الرئيس بالمداخلات والرؤى التي طرحت خلال أعمال القمة، معتبراً أنها تمثل أرضية مهمة يمكن البناء عليها في مسار إصلاح الهيكل المالي العالمي.
وأكد السيد الرئيس أن أي إصلاح حقيقي للنظام المالي الدولي يجب أن ينطلق من مراعاة اهتمامات الدول النامية وتلبية تطلعات شعوبها في التنمية والعيش الكريم، وهو ما يمثل القاعدة الجوهرية لأي عملية إصلاح جادة، فالإصلاح المنشود يجب أن يستهدف تحقيق العدالة الاقتصادية الدولية، وإنهاء مظاهر التهميش التي تعاني منها مجتمعات الجنوب العالمي، إلى جانب توفير التمويل التنموي بشروط ميسرة وعادلة، لا تفرض أعباءً إضافية على الأجيال القادمة ولا تدفع الدول النامية إلى دوائر جديدة من المديونية والتبعية الاقتصادية، كما طرح الخطاب الرئاسي واحدة من أعمق المقاربات الفلسفية والسياسية الحاكمة للعلاقات الدولية، حين اختزلها سيادته في عبارة شديدة التكثيف والدلالة (لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية)، فلا استقرار دون تنمية حقيقية توفر فرص الحياة الكريمة، ولا تنمية قابلة للاستمرار في بيئات يسودها الصراع وعدم الاستقرار، ومن ثم يضع هذا الطرح الجدلي حجر الزاوية في الرؤية المصرية الشاملة لمفهوم الأمن القومي والإقليمي كمفهوم مترابط الأبعاد، يعتمد على الاعتبارات العسكرية والأمنية التقليدية، ويمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
وقد فكك السيد الرئيس من خلال هذه الرؤية، السرديات التقليدية التي تفصل بين مسارات الاقتصاد من جهة، ومسارات السياسة والأمن من جهة أخرى، مؤكداً أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في بيئات تعاني من الاضطراب والصراعات المسلحة وغياب الاستقرار فالاستثمارات الأجنبية، ومشروعات البنية التحتية، وخطط التوسع الزراعي والصناعي، تحتاج جميعها إلى بيئة آمنة ومستقرة تضمن استدامتها وقدرتها على تحقيق العائد التنموي المرجو، وفي المقابل، فإن استمرار الفقر، واتساع فجوات العدالة الاجتماعية، وندرة الموارد، وغياب الفرص الاقتصادية، تمثل عوامل رئيسية في تغذية التطرف والعنف والنزاعات المسلحة، كما تسهم في تصاعد موجات الهجرة غير الشرعية وتهديد السلم المجتمعي والإقليمي.
ويعكس هذا الطرح إدراكاً عميقاً لطبيعة الترابط العضوي بين الأمن والتنمية، على المستوى الوطني والإفريقي والدولي، ومن ثم، فإن تأكيد السيد الرئيس لهذا المفهوم أمام شركاء دوليين، وفي مقدمتهم فرنسا والدول الأوروبية، يحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة مفادها أن أمن أوروبا واستقرارها وازدهارها يرتبط بصورة مباشرة بتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة داخل القارة الإفريقية، وأن تجاهل التحديات التنموية التي تواجهها دول الجنوب لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والهجرة غير الشرعية وعدم الاستقرار الإقليمي والدولي، وبذلك، تطرح الرؤية المصرية نموذجاً متكاملاً للتعامل مع التحديات العالمية، يقوم على الربط بين العدالة التنموية والاستقرار السياسي، وعلى اعتبار التنمية المستدامة مدخلاً أساسياً لبناء السلام وترسيخ الأمن على المستويين الإقليمي والدولي.
ومواكبة للأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم، وضع الخطاب الرئاسي يده على أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الدولي، مشيراً بوضوح إلى أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، وفي مقدمتها ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات وصراعات، باتت تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، فقد أكد سيادته أن ما يجري في هذه المنطقة الحيوية تمتد آثاره لتطال شرايين التجارة العالمية، خاصة في ظل التهديدات التي تطال حرية الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية، وما يصاحبها من اضطرابات في أسواق الطاقة وتذبذب في حركة التجارة والنقل الدولي، ويترتب على هذه الاضطرابات ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين، وتأخر وصول السلع الأساسية والمواد الخام، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية عالمياً، ويفرض أعباءً اقتصادية متزايدة على الدول النامية، التي تعد الأكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الخارجية، ومن ثم، فإن الأزمات الجيوسياسية تحولت إلى عوامل مباشرة تؤثر في استقرار الأسواق، وأسعار الغذاء والطاقة، وقدرة الدول على الحفاظ على توازناتها الاقتصادية والاجتماعية.
وقد شدد السيد الرئيس على أن التداعيات السلبية لهذه التوترات تقع بصورة أشد وطأة على الدول الإفريقية، التي تواجه تحديات مركبة تتعلق بأمن الطاقة والغذاء والتنمية، فعلى الرغم من امتلاك القارة الإفريقية لثروات طبيعية وموارد استراتيجية هائلة، فإن العديد من دولها لا يزال يعتمد بدرجات كبيرة على استيراد الحبوب والمواد البترولية والمدخلات الصناعية الأساسية، وبالتالي، فإن أي ارتفاع عالمي في أسعار هذه السلع نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية ينعكس مباشرة على الاقتصادات الإفريقية، عبر تضخم الفاتورة الاستيرادية واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي، بما يهدد الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي لملايين المواطنين، ويحمل هذا التشخيص في جوهره رسالة سياسية وإنسانية للمجتمع الدولي، مفادها أن القارة الإفريقية لا ينبغي أن تتحمل وحدها تكلفة أزمات وصراعات لم تكن طرفاً في صناعتها.
وقام السيد الرئيس بتسليط الضوء على المعضلة الهيكلية العميقة التي تواجه الحكومات الإفريقية، حيث تجد نفسها مطالبة بالسير في مسارين متوازيين يصعب التوفيق بينهما في ظل بنية مالية دولية غير عادلة؛ فمن جهة، تسعى هذه الحكومات إلى تحقيق أهداف التنمية وتلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها عبر توفير فرص العمل، وبناء المستشفيات والمدارس، وتطوير البنية التحتية، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر لمواجهة تداعيات التغير المناخي، وهي جميعها استحقاقات تتطلب استثمارات وتمويلات ضخمة ومستدامة، ومن جهة أخرى، تفرض عليها ضغوط متزايدة للحفاظ على الانضباط المالي وخفض مستويات الدين العام، في بيئة دولية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدد شروط الاقتراض.
يكشف هذا الواقع عن تناقض بنيوي عميق داخل النظام المالي العالمي الراهن، حيث تطالب الدول الإفريقية بتحقيق معدلات مرتفعة من النمو والتنمية، وتحمل أعباء التحول الاقتصادي والبيئي، والتكيف مع تداعيات التغير المناخي، في الوقت الذي تحرم فيه من أدوات التمويل العادل والميسر التي تمكنها من الوفاء بهذه الالتزامات، فبدلاً من أن يشكل النظام المالي الدولي رافعة لدعم جهود التنمية في القارة، بات في كثير من الأحيان يفرض قيوداً إضافية تعرقل قدرة الدول الإفريقية على تحقيق أهدافها التنموية والاستراتيجية، وفي ظل هذه المعادلة غير المتوازنة، تجد العديد من الدول الإفريقية نفسها عالقة بين خيارين قاسيين؛ أولهما تقليص خطط التنمية وتقليص الإنفاق على القطاعات الحيوية، بما يفضي إلى تباطؤ معدلات النمو واتساع دوائر الفقر والبطالة وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، وثانيهما اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بشروط مالية صارمة وأسعار فائدة مرتفعة، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الديون السيادية واستنزاف الموارد الوطنية، ويقيد قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، فضلاً عن تأثيره السلبي على التصنيفات الائتمانية للدول الإفريقية وثقة الأسواق الدولية فيها.
وضوء ذلك تكتسب دعوة الرئيس السيسي أهمية خاصة، باعتبارها نداءً لإعادة صياغة قواعد التمويل والتنمية على المستوى الدولي بصورة أكثر عدالة وتوازناً، بما يضمن تحقيق معادلة متكاملة تجمع بين متطلبات الاستقرار المالي وحق الشعوب الإفريقية في التنمية المستدامة والعيش الكريم، كما تعكس هذه الدعوة رؤية مصرية وإفريقية تسعى إلى تجاوز السياسات التقليدية التي كرست التبعية الاقتصادية وعمقت الفجوة التنموية بين دول الشمال والجنوب، باتجاه بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر إنصافاً، يتيح للدول النامية فرصاً حقيقية للنمو والإنتاج والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي والحصول على فرص حقيقية للنمو المستدام، وتبني آليات تمويل مبتكرة، مثل مبادلة الديون بالاستثمارات التنموية والبيئية، وتوسيع نطاق التمويلات الميسرة وطويلة الأجل لدعم مشروعات التحول الأخضر والطاقة النظيفة والبنية التحتية المستدامة.
كما أكد الكلمة أهمية إصلاح المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بما يعكس التغيرات في هيكل الاقتصاد العالمي ويمنح الدول النامية تمثيلاً أكثر عدالة في صنع القرار، مع مراعاة احتياجاتها التنموية الحقيقية بعيداً عن السياسات النمطية التي أثبتت محدودية فاعليتها، وفي ضوء ذلك تتضح ضرورة مراجعة معايير التصنيف الائتماني وخفض تكلفة الاقتراض التي تتحملها القارة الإفريقية نتيجة ما يعرف بعلاوة المخاطر غير المبررة، والتي تؤدي إلى استنزاف موارد الدول النامية وتعطيل قدرتها على الاستثمار في التنمية، ومن ثم، فإن إفريقيا اليوم لا تطالب بمساعدات استثنائية، بقدر ما تطالب بحقها المشروع في نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً وإنصافاً، يمنحها الأدوات والفرص التي تؤهلها للمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل الاقتصاد العالمي وتحقيق التنمية المستدامة لشعوبها.
إن الرؤية المصرية شخصت الأزمات، وطرحت إطاراً متكاملاً لمعالجة جذورها البنيوية، عبر تعزيز العدالة الاقتصادية الدولية، وإعادة التوازن إلى العلاقات الدولية، ودعم قدرة الدول الإفريقية على بناء اقتصادات أكثر صموداً واستقلالية، ويبقى التحدي الأكبر اليوم في قدرة المجتمع الدولي على ترجمة هذه الرؤى والتحليلات إلى سياسات تنفيذية وآليات عملية قابلة للتطبيق، تضمن للدول الإفريقية حقها المشروع في الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام، وتمكن شعوبها من مواجهة تحديات عالم سريع التحول تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية بصورة غير مسبوقة.
_
أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر