تُحكَم الولايات المُتّحدة من الصين، على معنى مجازى طبعًا، مداره أن عينَى واشنطن مصوّبتان على التنين البعيد، وقدماها لا تسيران مشوارا؛ إلا لو كان مُشتبكا مع حاضر البلد الآسيوى العجيب، أو مُتقاطعًا مع مستقبله الذى صار قاب قوسين أو أدنى.
قال نابليون قديمًا عنها، إنها «عملاق نائم، فلا توقظوها؛ لأنها إن استيقظت اهتزّ العالم». والجلىّ أنها مُنتبهة منذ فترة طويلة، واستفاقت تماما، واعتدلت من جلسة الناعس، لتُسابق الدنيا وتسبقها!
حط ترامب فى بكين؛ كأول رئيس أمريكى يزورها منذ قرابة السنوات العشر. وهو نفسه كان الأخير، والفاصل بين الزيارتين ولاية «جو النائم» كما يُسمّيه خليفته، والمواجهة من غرفة النوم لا يُمكن أن تكون مُتكافئة قطعًا.
ورث الجمهورى الصاخب تركة ثقيلة، كان أورثها للديمقراطى العجوز بالعُقَد ذاتها. ولعل أوضح الأمثلة ما جرى فى أفغانستان؛ إذ أبرم الاتفاق السيئ مع طالبان، وترك لمَن بعده مشهد الانسحاب المُخزى.
وفى كل الملفات، يرفع الرجل شعار «أمريكا أولا»، واستعادة العظمة الأمريكية، من دون التوقف أمام الإرث الذى تلقّاه عن أسلافه، أو كان شريكا فى صناعته إبّان ولايته الأولى.
اعتبر أنه لم يخسر الانتخابات قبل الماضية، وتعامل من مُنطلق أن السنوات الأربع التالية لها كانت وقتًا مُستقطعًا؛ فلم ينظر لها على الأرجح.
استأنف إدارة السياسة الخارجية من النقطة التى توقف عندها، كأنها ولاية واحدة مُتّصلة، وكان البلد بكامله نائمًا، لا بايدن وحده. وتلك عُقدته الكُبرى، وأكبر أزمات الدولة الأمريكية راهنًا.
تبدّلت كثير من الأوضاع، بالسلب أو الإيجاب، وفى اتجاهات شتّى. كسبت الولايات المُتحدة أرضًا على جبهات، وخسرت أضعافها فى غيرها، واتّسعت رئات الأصدقاء والمُنافسين، وما عادت طموحاتهم على حالها، ولا مخاوف الماضى بالصورة التى كانت عليها قبلاً.
حتى المواجهة مع الصين لها مُعطَى مُحاسبىّ يستوجب التوقّف؛ ولو بالإعجاب بالذات ومواصلة البناء على ما تحقق.
كان الخلل عظيمًا فى المرة السابقة. ومن جُملة تجارة تخطت نصف التريليون دولار، سجّلت الصين فائضًا بأكثر من 320 مليارا، وفق أرقام العام 2018.
أما اليوم؛ فالعجز لا يتخطّى 200 مليار دولار. نظريا تحسّنت الأمور كثيرًا، وعمليًّا تتداخل الحسابات لدرجة لا يصح معها الجزم باستخلاص.
تراجع الصينيون قليلاً، وما زالوا متفوقين على منافسهم الأول. وتقدّموا أمام العالم بأكمله، حتى أنهم سجّلوا فائضًا تجاريًّا فى السنة الماضية بأكثر من تريليون دولار.
لو مددنا الخطّ على استقامته فإنها مسألة وقت لا أكثر، وعمّا قريب ستتقدم بكين على واشنطن، وتنزعها عن صدارة الاقتصاد.
وستظل العقدة فى الأوزان السياسية والعسكرية، وهنا لا قِبَل للوافد الآسيوى بمناطحة امبراطورية لم تَشِخ بعد، وستتوزع القطبية بين رأسين، لكل منهما مقام السبق من مادة غير ما يمتاز به الآخر.
يطيب للبعض استعادة «فخ ثيوسيديدس» فى مقاربة العلاقة على جانبى الباسيفيكى. المصطلح نشأته أمريكية، مُستعار من زمن الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، وفكرته أن صعود قوّة شابّة، يخلق صراعًا حتميًّا مع القوّة القائمة، ما يُمهّد لمراسم الاستبدال.
يستشعر الأمريكيون حراجة اللحظة، ويتحرّكون تحت ضغطها منذ عقود، ومنطقى أن تشتدّ الوتيرة مع الأيام، وكلما ضاقت الفوارق القائمة لصالح القديم، أو نجح الجديد فى توسعة الفارق لصالحه فى ملف أو أكثر.
فى الصناعة والتجارة والمعادن النادرة وغيرها، لم تعُد المنافسة مُتقاربة أو متوازنة أصلاً. وحتى فى الحوسبة المُتقدمة وتقنيّات الذكاء الاصطناعى، يُقاس سبق الولايات المتحدة بالأسابيع لا السنوات، والمنطقة العازلة بينهما قابلة للقفز فى لمح البصر!
كان مُقرّرًا للزيارة أن تُجرى فى مارس الماضى، وتأجّلت بأثر التداعيات الناشئة عن الحرب مع إيران، واتّضاح أن الأوهام التى سوّقها نتنياهو خلال زيارته البيت الأبيض فى فبراير، لم تكن دقيقة، أو صُنِعَت قصدًا لاستدراج الحليف الأكبر، والدق بمطرقته على رؤوس الملالى.
الإرجاء لنحو شهرين، كان مؤشّرًا على رغبة ترامب فى حسم المعركة القائمة مع الجمهورية الإسلامية، والذهاب إلى بكين بإكليل النصر أو ما يُشبهه؛ لكنه اضطُرّ لإنجازها على الموعد الجديد بحال أقرب للهزيمة، وكما لو أنه يُرجو بكين أو يُوسّطها فى المسألة.
عملت الصين فى الاقتصاد بنظرية دينج شياو بينج: «لا يهم لون القطة؛ طالما أنها تصطاد الفئران»؛ فأنتجت صيغة أديولوجية وتنظيمية تخصها، ولا تشبه أحدًا، ويكاد لا ينافسها أحد فى الكفاءة والفاعلية.
وفى السياسة بنَت عمرانها على مَهلٍ، وراقبت الآخرين للعِلم فحسب، ولم تكن فى حاجة للنصح؛ إذ هى حضارة الحكمة والمكر، فلا تُقاطع الأعداء حينما يرتكبون الأخطاء، وتجلس على النهر إلى أن يوافيها بالجُثث!
لم تبرأ ذاكرتها من جراح الماضى؛ لكنها تجاوزات الثارات بمنطقها الانفعالى، وأسَّست بديلاً تثأر فيه بالنجاح، لا بالتركيز على إفشال غيرها. عينها على تايوان؛ لكنها تعرف صعوبة الأمر، ولا تجعله عائقًا فى طريق سينتهى بها إلى أن تتحكم فى العالم، أو هكذا تتصوّر.
لواشنطن مصالح وعداوات وديون مُرجأة؛ غير أنها تضرب البعيد والقريب، وعينها على التنين الصينى. ما جرى فى فنزويلا كان موجّهًا لبكين لا كاراكاس، وإيران كذلك، وما قد يشهده المُستقبل من تمدُّد فى أرجاء الأرض، غايته الأُولى الحصار لا الانتشار!
يندفع ترامب، ويُزمجر وينفعل، ويُفرط فى سردية المزاجية وابتداع الأفكار دون دراسة أو مُشاورة؛ غير أنه يظل نائبًا عن بناء ضخم، قليله ظاهر وأغلبه غاطس كجبل الثلج، وما طرح شيئا من رأسه قطّ؛ إنما يُنفّذ أفكار ومُقترحات الدولة الأمريكية العميقة.
زيارة الصين كسابقتها فى العام 2017، حملت مودّة ظاهرة، وعداوة مكتومة، وتلتها رسوم جمركية وحرب تجارية شعواء. والضرائب قائمة حاليا، والحوار الجاد مفقود، والتظاهر بالإيجابية من عمل المُداراة، ولا يمنع الصدام إلا الرعب!
آسيا صاعدة فى الزمان والمكان، والولايات المتحدة امبراطورية طويلة العُمر، ولن تلفظ أنفاسها بسهولة؛ إلا أن المقادير تسرى على الجميع دومًا، وبلا استثناء، وقد ساد قبلها ما هو أعظم منها، وباد!