مصطفى المنشاوى

شرفُ العلم.. حين يُصبح الحلم رسالة

الخميس، 14 مايو 2026 06:28 م


في حياة الإنسان لحظاتٌ لا تُقاس بالوقت، بل بالأثر الذي تتركه في القلب والعقل معًا.

لحظاتٌ يشعر فيها المرء أن سنوات التعب والسهر والانشغال والأسئلة الطويلة، لم تكن عبئًا ثقيلًا بقدر ما كانت طريقًا إلى معنى أعمق للحياة.

وكانت لحظة حصولي على درجة الماجستير في الإعلام — بدرجة امتياز مع التوصية — واحدةً من تلك اللحظات التي لا يملك الإنسان أمامها إلا أن ينحني امتنانًا لله، ثم للعلم، ثم لكل يدٍ امتدت إليه دعمًا ومحبةً وإيمانًا.

لقد أدركت أن الإعلام ليس مجرد مهنة تُمارَس، ولا كاميرا تُضاء، ولا ميكروفون يُفتح؛ بل هو مسؤولية وعي، ورسالة وطن، ومعركة إدراك تُخاض كل يوم في عقول الناس ووجدانهم.

ومن هنا جاء اختياري لموضوع رسالتي العلمية:
«تعرّض المراهقين للتليفزيون واستخداماتهم لشبكات التواصل الاجتماعي وعلاقته بإدراكهم أسباب وأبعاد الأحداث الإرهابية التي تتعرض لها مصر».

ولم يكن هذا الموضوع اختيارًا أكاديميًا بحتًا، بل كان محاولة لفهم واحد من أخطر التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم؛ كيف يتشكّل وعي الأجيال الجديدة؟
وكيف يمكن للصورة، والخبر، والمحتوى الرقمي، أن يعيد تشكيل إدراك الشباب لقضايا شديدة الحساسية والخطورة، وفي مقدمتها الإرهاب، الذي لم يكن يومًا مجرد رصاصٍ يُطلق، بل كان — ولا يزال — حربًا على الوعي قبل أي شيء آخر.

وقد جاءت هذه الرؤية متسقة مع توجهات الدولة المصرية في معركة الوعي التي يقودها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي أكدت على أن مواجهة الإرهاب لا تتحقق فقط بالأدوات الأمنية، وإنما ببناء الإنسان، وتجديد الخطاب الفكري، وتعزيز الوعي الوطني لدى الشباب. كما يعكس هذا الطرح أهمية الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب والتطرف في تنسيق الجهود الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف، وتجفيف منابعه الفكرية والإعلامية والثقافية، باعتبار أن حماية الوعي أصبحت إحدى أهم ركائز الأمن القومي المصري.

لقد حاولت الرسالة أن تقترب من عقل المراهق المصري، وأن تطرح سؤالًا شديد الأهمية:
كيف يرى شبابنا العالم وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات؟
ومن أين تتشكل قناعاتهم؟
وإلى أي مدى أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي شريكًا في صناعة الإدراك الجمعي؟

وأثناء رحلة البحث، كنت أكتشف كل يوم أن الإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للأحداث، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيل تفسيرها وفهمها وإعادة إنتاجها داخل المجتمع.

وربما كان أكثر ما أثار دهشتي وتأثري، ذلك الحضور الإنساني اللافت خلال يوم المناقشة، وما تبعه من ردود فعل واسعة ومؤثرة تجاوزت حدود التهنئة التقليدية.
لقد شعرت أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على درجة علمية، بل في أن تتحول رحلة الإنسان إلى مصدر إلهام ومحبة وتقدير لدى الآخرين.

ولذلك، فإنني أتوجه بخالص الامتنان والتقدير إلى هذا الحضور الراقي والمهيب الذي شرّفني يوم المناقشة، من رجال القضاء والنيابة العامة، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ ؛ ورموز الإعلام والصحافة، والسادة الأكاديميين، وعلماء جامعة المنصورة الأجلاء، وكل من منحني من وقته وقلبه كلمة طيبة أو دعوة صادقة أو مشاعر نبيلة لن أنساها ما حييت.

كما أخص بعظيم الشكر والعرفان السادة العلماء أعضاء لجنة الإشراف والمناقشة، الذين لم يبخلوا عليّ بعلمهم وخبراتهم وتوجيهاتهم القيمة، وكانوا شركاء حقيقيين في هذه الرحلة العلمية.

وقد تشرفت بأن تُناقش رسالتي العلمية أمام كوكبةٍ رفيعة من القامات الأكاديمية والقضائية، برئاسة معالي الأستاذ الدكتور/ محمد علي غريب، أستاذ الإذاعة والتليفزيون بكلية الآداب جامعة الزقازيق، وعضوية معالي الأستاذ الدكتور/ أحمد أحمد عثمان، أستاذ الإذاعة والتليفزيون بجامعة المنصورة، وهما من الرموز العلمية المرموقة في مجال الدراسات الإعلامية، إلى جانب معالي المستشار الجليل الدكتور/ طارق أبوزيد، رئيس مكتب تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية بمكتب النائب العام ورئيس المركز الإعلامي بالنيابة العامة المصرية، وقد كانت عضويته لهذه اللجنة ثرية بما يحمله من ثقلٍ قانوني وفكري ووطني رفيع، وبما قدّمه من رؤيةٍ عميقة وملاحظاتٍ قيّمة أضافت إلى الرسالة بُعدًا علميًا ووطنيًا بالغ الأهمية، فكان حضوره قيمةً كبيرة وتشريفًا أعتز به كثيرًا، وله مني خالص التقدير والامتنان.

لقد تعلّمت من هذه التجربة أن العلم لا يمنح الإنسان لقبًا فقط، بل يمنحه بصيرة.
وأن المعرفة الحقيقية تجعل الإنسان أكثر تواضعًا، وأكثر إدراكًا لمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.

أخيرًا…
وسط كل هذه المشاعر، يبقى في القلب فراغٌ لا يملؤه شيء، ووجهٌ غائبٌ حاضرٌ في كل التفاصيل.

إلى أبي…
الذي آمن بالحلم قبل أن يتحقق، وغرس داخلي قيمة العلم والاجتهاد منذ البدايات الأولى…
لعلّ حلمك قد تحقق يا أبي، ولعلّ روحك الطاهرة تبتسم الآن في رحاب رحمة الله الواسعة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة