لم يعد التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي يهدد الوظائف التقليدية فحسب، بل امتد ليزاحم مهن كانت تُعتبر حتى أمد قريب حصناً منيعاً للإبداع البشري، مثل الإعلام، المحاسبة، وعالمى الاقتصاد والسياسة، وحتى بعض فروع الطب والقانون.
الخطورة الحقيقية للذكاء الاصطناعي على فرص العمل خلال المرحلة القادمة تكمن في "سرعة التكيف"؛ فبينما كانت الثورات الصناعية السابقة تمنح البشر عقوداً للتكيف مع الآلات الجديدة، تأتي الثورة الحالية لتقوض مفاهيم الاستقرار الوظيفي في غضون أشهر، تشير التقارير الدولية إلى أن ما يقرب من 40% من الوظائف العالمية معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تتصاعد في المجتمعات التي تعتمد على المهام النمطية والمتكررة.
والذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على معالجة البيانات الضخمة (Big Data) وتوليد المحتوى الإبداعي بدقة وسرعة تفوق القدرات البشرية بمراحل، هذا التطور يضعنا أمام معضلة إنتاج جيل من "المعطلين عن العمل تقنياً" وتحدى إعادة صياغة المورد البشري ليتكامل مع الآلة لا أن يتصادم معها.
التجربة في المؤسسة الأكاديمية تجعلنى أرى أن الاستمرار في تدريس تخصصات "معلبة" تجاوزها الزمن هو نوع من التضليل العلمي للأجيال القادمة، إن الفجوة بين ما يُدرس في القاعات الدراسية وبين ما يتطلبه سوق العمل العالمي باتت تتسع لدرجة تنذر بخطر لذا فإن الدعوة لإلغاء بعض التخصصات الحالية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة قومية ومهنية.
يجب أن نمتلك الجرأة الأكاديمية لإعادة النظر في كليات وأقسام بأكملها أصبحت تنتج "بطالة مقنعة" فالتخصصات التي تعتمد على الحفظ والتلقين، أو التي تقوم على مهارات تقنية بسيطة يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها في ثوانٍ، يجب أن تدمج أو تلغى لصالح تخصصات بينية (Interdisciplinary)، لذلك نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم "التخصص المنفرد" إلى مفهوم "التخصص الهجين"؛ فمثلًا الإعلامي اليوم لا يحتاج فقط لمهارة الكتابة، بل يجب أن يكون محللاً للبيانات، ومتمكناً من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومدركاً لطبيعة الخوارزميات.
على الجانب الآخر ربط المناهج الجامعية بسوق العمل يتطلب ثورة في "بنية الفكر الأكاديمي"، بحيث نلتفت إلى أهمية إلغاء التخصصات التي تركز على "التنفيذ" لصالح التخصصات التي تركز على "الإشراف والابتكار".. فالآلة قد تكتب خبراً، لكنها لا تملك البصيرة الأخلاقية ولا الحس الإنساني الذي يدرك أبعاد الخبر وتأثيره المجتمعي، يرتبط بذلك أهمية تدريس الجامعات مقررات مكملة مثل مهارات التفكير النقدي، والذكاء العاطفي، والمرونة المعرفية؛ وهي مساحات لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن اقتحامها بالكامل.
فالمرحلة القادمة تتطلب "عقداً جديداً" بين الجامعة والدولة وسوق العمل؛ عقد يضمن أن كل ساعة يقضيها الطالب في الدراسة هي استثمار في مهارة ستبقى صامدة أمام أمواج الأتمتة. إن إلغاء بعض التخصصات ليس تراجعاً، بل هو خطوة للأمام لفتح المجال لعلوم جديدة مثل "اقتصاد المنصات"، "تحليل السلوك الرقمي"، و"هندسة الأوامر البرمجية".
___
أستاذ الإعلام الدولى بكلية الإعلام بجامعة القاهرة
والعميد المركزى لكليات الإعلام بالجامعة العربية المفتوحة