محمود عبد الراضى

حين تذبح «الروشنة» حياء شوارعنا

الخميس، 14 مايو 2026 03:49 م


في زحام القاهرة، وبين أزقتها التي كانت يوماً تفوح بعطر الأدب والكلمة الطيبة، باتت آذاننا اليوم تشتهي "صمتاً" ينجيها من سياط المفردات النابية، لم تعد المشكلة في ضجيج المحركات، بل في ضجيج الألسنة التي انفلتت من عقال الحياء، لترسم على جدران الصمت خدوشاً لا يداويها اعتذار، إنها ظاهرة "التلوث السمعي" التي تجاوزت بمراحل حد الإزعاج، لتصبح خطراً يهدد هوية جيل بأكمله.

تمر في الشارع، فترى صبية في عمر الزهور، يتراشقون بألفاظ لو سقطت على صخر لتفتت، يظنون بجهالة أن "طولة اللسان" هي عنوان الرجولة، وأن القبح اللفظي "روشنة" وفهلوة تمنحهم صك الحداثة.

أصبحت الكلمة الخارجة بمثابة "موضة" يرتديها هؤلاء الشباب ليثبتوا حضورهم، بينما الحقيقة أنهم يغرقون في وحل من الهبوط القيمي، ضاربين عرض الحائط بحقوق الطريق، وحرمة وجود السيدات، وبراءة الأطفال الذين يلتقطون تلك "السموم اللفظية" كما يلتقط الإسفنج الماء.

والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: من زرع في وادينا الطيب كل هذا القبح؟ وأين غابت تلك الأسر التي كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا ما تفوه طفلها بكلمة نابية؟ لقد انشغلنا بترميم الجدران ونسينا ترميم الألسنة، حتى استوطنت "لغة الشوارع" في بيوتنا وعقول شبابنا، إنها صرخة نذير، فالمجتمع الذي يفقد رقي لغته، يفقد بالتبعية رقي مشاعره وانتماءه.

علينا أن نلتفت لهذا الخطر الداهم قبل أن تضيع أجيالنا في دوامة التردي، فجمال المنطق من جمال الروح، وحسن انتقاء الألفاظ هو الحصن الأخير الذي يحمي نسيجنا الاجتماعي من التآكل.

لنعد للكلمة هيبتها، وللشارع وقاره، وللحياء جلاله، فبناء الإنسان يبدأ من ضبط اللسان.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة