عاد اسم المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، ليتصدر المشهد السياسى الأوروبى مجددًا، لكن هذه المرة ليس بسبب أزمة اقتصادية أو ملف الهجرة، وإنما فى إطار الحديث عن إمكانية لعبها دور الوسيط لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، فى ظل تصاعد النقاشات داخل أوروبا بشأن البحث عن شخصية تحظى بقبول دولى واسع لقيادة أى مفاوضات محتملة بين موسكو وكييف.
تصريحات فيلادمير بوتين تشير إلى استعداده للمفاوضات
ويأتى طرح اسم ميركل بعد تصريحات للرئيس الروسى فيلادمير بوتين، أعقبت احتفالات « يوم النصر» على النازية، أكد خلالها أن الحرب فى أوكرانيا تقترب - من وجهة نظره - من نهايتها، مشيرًا إلى استعداد موسكو للدخول فى مفاوضات تتعلق بترتيبات أمنية جديدة فى أوروبا.
وطرح اسم المستشار الألمانى الأسبق جيرهارد شرودر، باعتباره الخيار المفضل لدى موسكو للوساطة، إلا أن هذا المقترح أثار انتقادات واسعة داخل أوروبا، بسبب العلاقات الوثيقة التى تربط شرودر بالرئيس الروسى بوتين، الأمر الذى أثار تساؤلات حول إمكانية اعتباره وسيطًا محايدًا يحظى بثقة الجانب الأوكرانى.
كما زادت الحالة الصحية لشرودر، البالغ من العمر 82 عامًا، من الشكوك حول إمكانية اضطلاعه بأى دور دبلوماسى فى هذه المرحلة الحساسة، خاصة بعدما ذكرت مجلة دير شبيجل الألمانية أن أى دور محتمل له «مستبعد تمامًا» من قبل الحكومة الألمانية وعدد من دول الاتحاد الأوروبى.
أسباب طرح اسم أنجيلا ميركل للمفاوضات مع روسيا
إلا أن اسم ميركل بدأ يظهر تدريجيًا باعتباره بديلًا أكثر قبولًا داخل بعض الدوائر الأوروبية، بحسب ما نقلته مجلة «دير شبيجل»، التى أشارت إلى أن المستشارة الألمانية السابقة تمتلك عدة مقومات قد تؤهلها لهذا الدور، من بينها إجادتها اللغة الروسية، وعلاقاتها السابقة بكل من بوتين والرئيس الأوكرانى فولديمير زيلنسكى، إلى جانب خبرتها الطويلة فى إدارة الأزمات الدولية.
كما أن ابتعاد ميركل عن الحياة السياسية الرسمية منذ مغادرتها منصب المستشارية، بالإضافة إلى حالتها الصحية المستقرة وعودتها التدريجية إلى الظهور العلنى خلال الفترة الأخيرة، عزز من حضور اسمها فى النقاشات الدبلوماسية الأوروبية.
أزمة ثقة بسبب مشروع نوردستريم 2
ورغم ذلك، فإن الطريق أمام ميركل لا يبدو سهلاً، إذ تواجه المستشارة السابقة أزمة ثقة لدى عدد من دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، بسبب سياساتها السابقة تجاه روسيا، وعلى رأسها دعمها لمشروع خط الغاز "نورد ستريم 2"، الذى كان محل اعتراض حاد من بولندا ودول البلطيق، التى اعتبرت المشروع وقتها أداة لزيادة النفوذ الروسى داخل أوروبا.
كما يلاحق ميركل الجدل المرتبط باتفاقيتى «مينسك» اللتين لعبت دورًا محوريًا فى التوصل إليهما عامى 2014 و2015، فى محاولة لاحتواء الصراع فى شرق أوكرانيا، قبل أن تنهار التفاهمات لاحقًا مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
وذكرت صحيفة بيلد الألمانية أن فشل اتفاقيات مينسك فى منع الحرب يثير تساؤلات داخل بعض العواصم الأوروبية بشأن مدى فاعلية أى دور وساطة مستقبلى قد تقوم به ميركل.
وزادت الانتقادات الموجهة للمستشارة الألمانية السابقة بعد تصريحات أدلت بها العام الماضى لمنصة بارتيزان المجرية، كشفت خلالها أنها حاولت فى صيف 2021 إطلاق صيغة جديدة للحوار بين الاتحاد الأوروبى وبوتين، لكن المبادرة لم تر النور بسبب اعتراضات من دول البلطيق وبولندا.
وبحسب ما نشره موقع كييف بوست، اعتبرت بعض الأوساط الأوروبية أن تصريحات ميركل تقلل من مسؤولية موسكو عن اندلاع الحرب، وهو ما عمّق التحفظات تجاهها داخل بعض الدول الأوروبية.
فى المقابل، شددت مسؤولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس على أن السماح لروسيا بتحديد الوسيط فى أى مفاوضات مستقبلية ليس من الحكمة ، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يسعى للعب دور مباشر فى أى مسار تفاوضى مقبل، بعد تعثر محاولات الوساطة السابقة بين واشنطن وموسكو وكييف.
ومن جهته، أعلن وزير الخارجية الألمانى جون بادفول أن برلين مستعدة لتحمل مسؤوليات أكبر فى المسار الدبلوماسى الخاص بالحرب الأوكرانية، فى وقت تتزايد فيه الدعوات الأوروبية للبحث عن إطار تفاوضى جديد يمكنه إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
كما أكد رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن أن أى وسيط محتمل يجب أن يحظى بدعم واسع داخل الاتحاد الأوروبى، وخاصة من دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، نظرًا لحساسية الملف وتعقيداته السياسية والأمنية.
المرأة الحديدية وسيدة الأزمات..ألقاب حصلت عليها ميركل
وخلال مسيرتها السياسية التى امتدت لأكثر من 16 عامًا، حصلت ميركل على العديد من الألقاب، أبرزها «المرأة الحديدية» و«ماما ميركل» و«سيدة الأزمات»، بسبب إدارتها لملفات معقدة مثل أزمة اليورو وأزمة اللاجئين وجائحة كورونا، وهو ما يجعل البعض يرى أنها لا تزال تمتلك الخبرة اللازمة للتعامل مع أكثر الملفات الدولية تعقيدًا.
لكن حتى الآن، لا يوجد أى تحرك رسمى بشأن تكليفها بمهمة الوساطة، ووفقًا لما نقلته صحيفة بيلد عن مكتبها، فإن ميركل لم تتلق أى طلب رسمى للقيام بهذا الدور، لكنها أيضًا لم تستبعد الفكرة، ما يبقى الباب مفتوحًا أمام احتمالات دخولها على خط المفاوضات إذا توفرت الظروف السياسية المناسبة.
وفى الوقت نفسه، كشفت تقارير إعلامية ألمانية عن مناقشات داخل برلين بشأن إمكانية ترشيح الرئيس الألمانى فرانك شتاينمر للقيام بدور تفاوضى بين أوروبا وروسيا، ما يعكس استمرار البحث الأوروبى عن شخصية قادرة على إدارة واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية فى العالم خلال السنوات الأخيرة.