بيشوى رمزى

أنماط تشغيل الصراع الدولي

الأربعاء، 13 مايو 2026 09:00 ص


إذا لم يعد الصراع يدار وفق أساليب الحروب التقليدية القائمة على المعسكرات، بقدر ما يمكن قراءته في صورته الراهنة باعتباره أقرب إلى " نظام تشغيل " تقوده قوى مركزية، تعمل في إطاره أطراف أخرى، لكل منها دور محدد داخل آليته، فإن السؤال لم يعد متعلقا بكيفية عمل هذا النظام، بقدر ما يتعلق بطبيعته، حيث يدور حول ما إذا كان العالم أمام نمط واحد يطبق بصيغة موحدة، أم أن تعددية الصراعات، واختلاف مسارحها الجغرافية، وتفاوت موازين القوى بين أطرافها، تفرض أنماطا مختلفة لتشغيله داخل الواقع الدولي؟

والواقع أنه يمكن تمييز أنماط مختلفة في إدارة الصراع، تختلف باختلاف طبيعته وموقعه وأطرافه، فإذا نظرنا إلى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، نجد أن المواجهة لا تدار عبر نمط واحد، بقدر ما تجمع بين أكثر من صيغة داخل الإطار ذاته، فمن ناحية، يظهر نمط مركزي تقوده القوى الكبرى، يسعى إلى ضبط وتيرة الصراع والتحكم في مساره، عبر توظيف أطراف منخرطة بشكل مباشر تتولى جانبا كبيرا من الضغط الميداني، سواء من خلال ضربات مركزة تستهدف الخصم، أو عبر إضعاف شبكاته وأدواته غير المباشرة.

ومن ناحية أخرى، يمتد هذا النمط ليشمل أطرافا غير منخرطة بصورة مباشرة، يتم دفعها إلى التفاعل مع الصراع من بوابة المصالح المشتركة، كما في حالة انخراط بعض الحلفاء، خاصة في تأمين الممرات الحيوية، بما يساهم في توزيع الأعباء، وتخفيف الكلفة المباشرة عن القوة المركزية، دون أن يعني ذلك خروجها من معادلة التحكم، حيث لا يقتصر دور القيادة على إدارة المواجهة، بل يمتد إلى إعادة توزيع الكلفة وضبط العلاقة بين أطرافها، بما يضمن استمرار الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها، دون أن يفضي إلى حسم نهائي أو إلى صعود غير محسوب لأحد الشركاء.

هذا النمط ربما استلهم دروس الماضي القريب والسحيق، فلو كانت واشنطن انخرطت في الصراعات بمفردها تقريبا منذ بزوغ نجمها، على الساحة الدولية، وهو ما زاد الأعباء الملقاة على عاتقها لصالح الحلفاء، فإن مساهمتها الكبيرة في سحق الخصوم خلال الحرب العالمية الثانية، أدى إلى تصاعد دورها على حساب القوى الكبرى التي كانت تحكم العالم آنذاك، وبالتالي فإن النمط الذي تسعى الولايات المتحدة إلى صياغته يقوم على مسارين، أولهما توزيع الكلفة والأعباء الناجمة عن الانخراط في المعركة، والثاني يعتمد على السيطرة على حسابات الصعود بين الحلفاء، وليس الخصوم، وهو ما يعني أن ثمة صراع آخر يولد من الصراع الرئيسي.

وعلى الجانب الآخر، يبرز نمط مختلف في تشغيل الصراع، أقرب إلى الطابع الشبكي، تمثله إيران في سياق المواجهة الراهنة، حيث تقود شبكة ممتدة من الفاعلين غير النظاميين في عدة ساحات إقليمية، ورغم أن هذا النموذج يستند في جذوره إلى آلية الوكالة التقليدية، إلا أنه شهد تحولا في طبيعته، فلم تعد هذه الأطراف مجرد أدوات تنفيذ تتلقى الأوامر بصورة مباشرة من المركز، بل أصبحت فواعل تتحرك داخل شبكة مترابطة، بهوامش نسبية من الاستقلال، وفقا لحسابات ترتبط بسياقاتها المحلية، ومستوى انخراطها في الصراع، وطبيعة التهديد الذي تواجهه من قبل الخصم.

وبهذا، لا يقوم النمط الشبكي على توزيع الأدوار من مركز واحد، بقدر ما يعتمد على تعدد مسارات الضغط وتزامنها عبر أكثر من ساحة، بما يخلق حالة من الاستنزاف المستمر للخصم، دون الحاجة إلى إدارة مركزية مباشرة لكافة تفاصيل المواجهة.

إلا أن هذه الأنماط لا تقتصر عليها إدارة الصراع في صورته المستحدثة إذ يبرز نمط ثالث أقرب إلى الهجين يجمع بين سمات المركزية والمرونة في آن واحد وهو ما يتجلى بوضوح في الأزمة الأوكرانية حيث تتواجد قوى مركزية تضطلع بدور قيادي في توجيه الإطار العام للصراع دون أن تنفرد بإدارة كافة تفاصيله بينما لا تقتصر أدوار الأطراف الأخرى على التنفيذ المباشر كما في النمط المركزي التقليدي بل تتحرك بهوامش نسبية من الاستقلال تفرضها اعتبارات داخلية وخلافات في تقدير الموقف وهو ما يحول العلاقة بين المركز والأطراف من قيادة مطلقة إلى صيغة أقرب إلى التنسيق.

وبذلك لا يقوم النمط الهجين على توزيع صارم للأدوار ولا على شبكة مفتوحة بالكامل بقدر ما يعكس حالة وسط بينهما تسمح بقدر من الضبط العام لمسار الصراع دون أن تلغي تباين مواقف الأطراف أو استقلالية حركتها وهو ما يفرض بدوره قدرا أكبر من المرونة في إدارة المواجهة وتداعياتها.

ولعل الحالة الروسية في أوكرانيا تمثل امتدادا معدلا للنهج التقليدي في إدارة الصراع حيث اعتمدت موسكو في الأساس على السيطرة على بعض الأراضي والاستنزاف المباشر دون أن تتحرك نحو تدمير كامل للنظام الحاكم في كييف وهو ما ساهم في الإبقاء على حالة الصراع دون تجاوز حدود معينة قد تدفع إلى ردود فعل أكثر شراسة من الغرب وفي الوقت نفسه لم تقتصر المواجهة على الأدوات العسكرية وإنما امتدت إلى إدارة المعركة عبر أدوات الطاقة والدبلوماسية وإعادة تشكيل العلاقات الدولية بما يسمح لموسكو بالحفاظ على موقعها وقدرتها على المناورة وتخفيف الضغوط المفروضة عليها.

وبالنظر إلى العامل الزمني تبدو الحرب في أوكرانيا أقرب إلى مرحلة انتقالية بين حقبتي الصراعات الحاسمة التي تهدف إلى الإجهاز الكامل على الخصم بصورة مباشرة وتلك الوظيفية التي يؤدي فيها الصراع دورا في الحفاظ على التوازن الإقليمي والدولي فروسيا تسعى إلى الاحتفاظ بقدر من الاتزان يسمح لها بإظهار قوتها وقدرتها على فرض رؤيتها دون الوصول إلى مواجهة شاملة مع القوى الكبرى وهو ما أضفى قدرا من الاعتدال على بعض المواقف الغربية والأمريكية خلال مراحل مختلفة من الحرب.

وهنا يمكن القول إن الصراع في صورته الراهنة لم يعد يخضع لقواعد ثابتة أو نمط واحد في الإدارة، بقدر ما أصبح أقرب إلى منظومة متغيرة تتعدد فيها آليات التشغيل بتعدد الأطراف والمصالح وطبيعة التوازنات القائمة. فبينما تميل بعض القوى إلى إدارة المواجهة عبر مركزية تضبط الإيقاع وتوزع الأعباء، تتجه قوى أخرى نحو نمط شبكي قائم على تعدد ساحات الضغط وتوزيع أدوار المواجهة، في حين تكشف بعض الصراعات عن مراحل انتقالية تجمع بين القديم والجديد في آن واحد. وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن قيمة القوة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الحسم، وإنما بمدى قدرتها على إدارة الصراع نفسه، والتحكم في مستواه وحدوده ونتائجه، بما يجعله أداة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية أكثر من كونه مجرد معركة تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة