دينا الأدغم تكتب: حين يتحدث البحر بلغة السياسة والدبلوماسية

الثلاثاء، 12 مايو 2026 03:54 ص
دينا الأدغم تكتب: حين يتحدث البحر بلغة السياسة والدبلوماسية زيارة الرئيس ماكرون لمصر

ليست كل الزيارات الرسمية مجرد انتقال بين عاصمتين، ولا كل اللقاءات بين القادة تُختزل في صور المصافحة وبيانات البروتوكول. فهناك زيارات تتجاوز الشكل إلى الجوهر، وتكشف أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على المصالح المتبادلة، بل على قدر من الثقة السياسية والرؤية المشتركة التي تمنح هذه العلاقات عمقًا واستمرارية.

حين رحّب الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر رسالة نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، واصفًا إياه بـ«الضيف العزيز في الإسكندرية، عروس البحر المتوسط»، لم تكن الكلمات مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل بدت تعبيرًا رمزيًا عن علاقة نضجت عبر السنوات، واكتسبت من دفء الصداقة بقدر ما اكتسبت من صلابة الشراكة الاستراتيجية.

وفي الإسكندرية، المدينة التي عاشت طويلًا بوابةً بين الشرق والغرب، بدا الاستقبال أكثر من مجرد محطة رسمية. فهذه المدينة، بتاريخها الكوزموبوليتاني وذاكرتها المتوسطية، كانت المكان الأنسب لاستقبال رئيس دولة أوروبية كبرى ترتبط بمصر بعلاقات متعددة الأبعاد. وهي مدينة تعرف جيدًا كيف يتحول البحر من حدٍ جغرافي إلى جسر حضاري وسياسي وثقافي.

ويستدعي هذا المشهد إلى الذاكرة زيارة الرئيس السيسي إلى باريس العام الماضي، حين استقبله ماكرون في قصر الإليزيه، في لقاء أكد أن العلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت إطار التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ومنذ ذلك الحين، اتسعت دوائر التنسيق بين البلدين لتشمل ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، والاستثمار، والتعليم، والدفاع.

واليوم، لم تتوقف الزيارة عند شاطئ المتوسط، بل امتدت إلى العريش، حيث تحولت السياسة إلى مشهد إنساني مفتوح على العالم. هناك، وقف الرئيس الفرنسي شاهدًا على الجهد المصري في استقبال المساعدات الإنسانية وتجهيزها تمهيدًا لإدخالها إلى قطاع غزة، لتصبح العريش عنوانًا لدبلوماسية تتحدث بالأفعال أكثر مما تتحدث بالتصريحات.

وفي هذه المحطة، بدت القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس السيسي، والرئيس الفرنسي، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسالة هادئة ولكن واضحة: أن إعادة إعمار غزة يجب أن تتم دون تهجير سكانها، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام حق الشعوب في البقاء على أرضها وصون هويتها الوطنية.

وتزامنت الزيارة مع افتتاح المقر الجديد لـ الوكالة الفرنسية للتنمية، في إشارة إلى أن الشراكة بين القاهرة وباريس لم تعد مقتصرة على التنسيق السياسي وحده، بل أصبحت مشروعًا تنمويًا واسعًا يمتد أثره إلى أفريقيا وشرق المتوسط.

هكذا تبدو العلاقة بين السيسي وماكرون أشبه بحوار طويل بين مدن تحمل ذاكرة البحر: من باريس إلى الإسكندرية، ومن الإسكندرية إلى العريش. وبين هذه المحطات تتشكل قصة سياسية تتداخل فيها المصالح مع الثقة، والدبلوماسية مع المسؤولية الإنسانية، والتاريخ مع ضرورات الحاضر.

وفي زمن يموج بالتحولات والتحديات، يبقى البحر شاهدًا على أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كثير من الكلمات؛ يكفي أن تتلاقى الإرادة والرؤية حتى يتحول البحر المتوسط من مساحة فاصلة إلى لغة مشتركة، تكتب بها الدول فصولًا جديدة من التفاهم والسلام.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة