على مدار الأشهر الخمسة الماضية، فرض المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حضوره بقوة داخل المشهد الإعلامي والصحفي المصري، ليس فقط باعتباره جهة تنظيمية نص عليها الدستور والقانون، ولكن أيضًا باعتباره طرفًا فاعلًا في متابعة الأداء الإعلامي والتعامل مع المخالفات والتجاوزات المهنية بصورة أكثر وضوحًا وحسمًا. والمتابع للمشهد الإعلامي والصحفي في مصر خلال هذه الفترة يستطيع أن يلاحظ بسهولة من متابعة بيانات المجلس والوقائع التي تفاعل معها أن المجلس بات يؤدي دورًا أكثر نشاطًا وتأثيرًا وفاعلية في إعادة ضبط الإيقاع الإعلامي في مصر.
فوفقًا للدستور المصري والقانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فإن المجلس هو الجهة المختصة بتنظيم الشأن الإعلامي والصحفي ووضع الضوابط والمعايير المهنية والأكواد المنظمة للعمل الإعلامي. وبالتالي، فإن الدور الأساسي للمجلس يتمثل في ضمان التزام المؤسسات الإعلامية والصحفية بالقواعد المهنية والقانونية المنظمة للعمل الإعلامي، بما يحقق التوازن بين حرية الإعلام والحفاظ على المعايير المهنية والمسؤولية المجتمعية.
وخلال الفترة الأخيرة، بدا واضحًا أن المجلس يتعامل بمنهج يعتمد على "الحسم والسرعة" في متابعة الملفات المختلفة، سواء ما يتعلق برصد المخالفات الإعلامية والصحفية والرقمية أو إصدار القرارات المنظمة أو متابعة تنفيذها. كما ظهر ذلك بوضوح في ملف التراخيص الخاصة بإنشاء المؤسسات الإعلامية والصحفية، حيث أصبحت هناك سرعة أكبر في دراسة الطلبات والفصل فيها، وهو ما يعكس حالة من التنظيم والجدية داخل هذا الملف الحيوي والمهم.
من المهم التأكيد على نقطة جوهرية، وهي أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ليس جهة مسئولة عن إنتاج المحتوى الإعلامي نفسه أو تقييمه من الناحية الفنية أو الجماهيرية، لأن هذه مسؤولية المؤسسات الإعلامية والصحفية والقائمين عليها. أما دور المجلس فيتمثل في تنظيم المجال الإعلامي والصحفي و"الرقمي" وضمان التزامه بالضوابط القانونية والمهنية والأكواد الإعلامية المعتمدة، بما يحافظ على استقرار المشهد الإعلامي ويحميه من الفوضى أو التجاوزات.
كما أن فكرة تنظيم الإعلام ليست أمرًا استثنائيًا، بل هي جزء أساسي من طبيعة العمل الإعلامي في مختلف دول العالم، حيث توجد هيئات ومجالس تنظيمية تتولى وضع المعايير المهنية ومتابعة الالتزام بها، باعتبار أن الإعلام، بحكم تأثيره الكبير في تشكيل الوعي والرأي العام، يحتاج دائمًا إلى أطر تنظيمية واضحة تضمن التوازن بين الحرية والمسؤولية.
ومن الواضح أن المجلس خلال الأشهر الماضية تحرك بصورة أكثر فاعلية في هذا الاتجاه، سواء عبر متابعة الأداء الإعلامي والصحفي أو التعامل السريع مع الوقائع المختلفة أو تطبيق القواعد المنظمة للعمل الإعلامي. وهذا التحرك يعكس إدراكًا لأهمية وجود مؤسسة تنظيمية قوية وقادرة على ممارسة دورها القانوني بصورة واضحة، خاصة في ظل التطورات الكبيرة التي يشهدها القطاع الإعلامي، سواء على مستوى القنوات الفضائية أو الصحافة أو المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية.
كما أن التطور المتسارع في وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة فرض تحديات جديدة تتطلب وجود جهة تنظيمية تمتلك القدرة على المتابعة والتعامل السريع مع المستجدات، سواء فيما يتعلق بالمحتوى الإعلامي أو بالإجراءات التنظيمية أو بالمعايير المهنية. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام باعتباره الجهة المختصة بوضع وتنفيذ هذه الضوابط.
المؤكد إن أي مشهد إعلامي ناجح يحتاج إلى قدر من الانضباط المهني والتنظيم المؤسسي، لأن غياب القواعد الواضحة يفتح الباب أمام حالة من العشوائية التي تؤثر في مصداقية الإعلام ودوره المجتمعي. ولهذا فإن الأداء والفاعلية الواضحة التي يقوم بها المجلس الأعلى للإعلام برئاسة المهندس خالد عبد العزيز ضرورة للحفاظ على استقرار المشهد الإعلامي وتطويره، كما يساهم في تعزيز فكرة احترام القواعد المنظمة للمهنة وتطبيقها بصورة عملية، بدلًا من بقائها مجرد نصوص أو لوائح غير مفعلة.
تمثل المرحلة الراهنة فرصة حقيقية لتعزيز ودعم منظومة التنظيم الإعلامي بشكل أكثر كفاءة وفاعلية، لا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي فرضها الإعلام الرقمي والمنصات الترفيهية الحديثة والتحديات التي تواجهها صناعة الإعلام والصحافة، بما يسهم في ترسيخ المهنية والانضباط داخل المشهد الإعلامي، وفي الوقت ذاته يدعم تطوير المؤسسات الإعلامية والصحفية ويعزز قدرتها على العمل وفق إطار واضح ومنظم.
في الأخير، فإن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يؤدي دورًا محوريًا في تنظيم المشهد الإعلامي المصري، ليس باعتباره جهة تتدخل في صناعة المحتوى أو فرض نوع من القيود على حرية الرأي والتعبير، وإنما باعتباره المؤسسة المنوط بها قانونًا حماية القواعد المهنية وتنظيم المجال الإعلامي وضمان الالتزام بالمعايير المنظمة له، وهو دور تزداد أهميته مع التطورات المتسارعة التي تشهدها صناعة الصحافة والإعلام في مصر والعالم.