دندراوى الهوارى

«لا تأكلوا شيئا!».. كيف أشعل أطباء التريند حربا أهلية داخل مطبخ المصريين؟

الثلاثاء، 12 مايو 2026 12:00 م


قبل أن يعرف البشر فى كوكب الأرض شيئا عن الأمراض وكيفية علاجها، كان المصرى القديم، يفتح الجسد ويجرى عمليات جراحية دقيقة، ويصف العلاج، ويسجل الأمراض بدقة على أوراق البردى، والتى تعد أول تقرير و«روشتة» طبية فى التاريخ، ما يؤكد أن الطب عند المصريين القدماء لم يكن مجرد مهنة، وإنما فلسفة عميقة ترى أن الحفاظ على الجسد معركة مقدسة ضد الألم والفناء.

تفوق المصريون فى الطب، وقدرتهم الفائقة على معرفة الأعراض والتشخيص الدقيق، ثم وضع العلاج المناسب بحرفية ومهارة، يأتى فى الوقت التى كانت فيه أمم أخرى تفسر - حتى وقت قريب - المرض باعتباره لعنة غامضة. المصرى القديم لم يكتف بالتشخيص ووضع العلاج، وإنما وضع روشتة عظيمة الأثر فى الغذاء والوقاية الصحية، والنظافة الشخصية. وتشير عدد من البرديات، من بينها «بردية إدوين سميث» و«بردية إيبرس» بما تضمنته من معرفة المصرى القديم، بأمراض الجهاز الهضمى والقلب والأسنان والعظام، معرفة متقدمة ومتطورة، للدرجة التى دفعت بعض المؤرخين، وأطباء مشاهير للتأكيد على أن الحضارة المصرية القديمة من أولى الحضارات التى وضعت أسس الطب المنهجى فى التاريخ.

البرديات الطبية الكاملة والتى وصل عددها إلى أكثر من 15 بردية منتشرة فى كبرى المتاحف العالمية، بجانب مئات البرديات غير الكاملة - الشظايا - كشفت عن توصل المصريين القدماء إلى فكرة التخصص الطبى، فكان هناك طبيب للجهاز الهضمى، وآخر للعيون، وثالث للأسنان، وغيرهم لأمراض النساء والتوليد، وجراحة المخ، فى وقت لم تكن فيه الغالبية العظمى من حضارات العالم، قد عرفت أصلا معنى «الطب التخصصى».

وفى العصور الحديثة والمعاصرة، ظهرت نوابغ مصرية فى الطب فى كل التخصصات، وسطروا أسماءهم بأحرف من نور على الخريطة الطبية العالمية، وصارت سمعة الطب المصرى رائعة وترفع له القبعات.

لكن مؤخرا، وفى ظل انتشار «السوشيال ميديا» التى وُظِفت فى أسوأ صورها، ظهر ما يطلق عليهم «أطباء التريند» يخرجون على الناس فى صورة مغايرة عما دشنه الأجداد، الذين علموا الدنيا كيف يداوون الأجساد. أطباء التريند «اللعين» دشنوا عن يقين زائف وفاسد، لفوضى غذائية وطبية خطيرة، أشاعوا الخوف والرعب فى قلوب الناس، حتى تحولت «اللقمة» ذاتها لساحة معركة جدلية لحظية بين التحريم والتحليل، والخوف والشك، والعلم والاستعراض! 

أطباء التريند، يقدمون أنفسهم على مواقع السوشيال ميديا المختلفة، باعتبارهم المالكين الحصريين للحقيقة المطلقة فى الطعام والشراب والحياة ذاتها، والمنزهين عن الخطأ، والمحصنين من المناقشة والحوار.

أطباء التريند، تخرجوا من الجامعات إلى الكاميرات، ومن العيادات والمعامل إلى «الريلز» و«اليوتيوب» و«التيك توك» وحولوا الغذاء إلى ساحة حرب مفتوحة تُخاض يوميا على شاشات الهواتف، وخلف الكيبورد!

أطباء التريند، منقسمون على أنفسهم إلى عدة فرق، فريق منهم يرى فى اللبن «سم قاتل»، فى حين يرى آخرون أنه «إكسير الحياة»، وفريق يُحرم الفاكهة لأنها «سكر قاتل» وآخرون يروجون لأكل الدهون بلا حدود، وواحد يخرج على الناس مغردا خارج السرب، مؤكدا أن البيض والدجاج قنابل سامة، ويروج لأكل الدهون بلا حدود، وآخرون يأتون من آخر الصفوف ليعلنوا أن النوتيلا والعصائر المعلبة خير علاج لمرضى السكر، والنتيجة أن ملايين المصريين البسطاء انتابتهم حالة من الارتباك والخوف، وكأن كل وجبة ممكن أن يتناولونها هى عبارة عن مشروع جنازة مؤجل!

هذه ليست مجرد فوضى معلومات، وإنما فتنة غذائية مكتملة الأركان، فالمشكلة لم تعد اختلاف المدارس الطبية، وهو أمر متعارف عليه علميا، ومقبول طبيا، لكن القضية الخطرة أن بعض الأطباء والمؤثرين تحولوا إلى «دعاة» يرون فى أنفسهم أنهم المالكون الحصريون للمعرفة التى لا تقبل النقاش، للدرجة أن أحدهم يخرج على الناس قائلا: «كل ما تعلمناه فى كليات الطب كان خاطئا» ثم بدأ فى هدم كل شىء، الفاكهة والنشويات والزيوت والألبان بكل منتجاتها، وحتى الخضراوات!

هؤلاء الدعاة الجدد للطب - على غرار موجات الدعاة الجدد فى الدين ثم التنمية البشرية - فاتهم القاعدة الذهبية فى الطب ومفادها، أن العلم الحقيقى يتحرك بالتراكم والاحتمال والمراجعة؛ لكن للأسف الشديد، أطباء التريند «الدعاة الجدد» يتحدثون بمنطق «الفتح المبين»، لا يتركون مساحة للشك العلمى، ولا يشرحون الفروق الفردية بين الناس، ولا يعترفون بتعقيد جسم الإنسان، كل شىء عندهم يتحول إلى معركة أخلاقية، هذا الطعام «جيد» وذاك «سيئ» وهذا يقتل، وذاك يشفى، دون أى أسانيد علمية موثقة، وحولوا مطابخ المصريين إلى حرب أهلية!

هذه الحالة شديدة الفوضى، يمكن أن نطلق عليها «السفسطة فى الحديث» ومن المعلوم بالضرورة أن السفسطائيين فى التاريخ اليونانى لم يكونوا جهلاء، بل كانوا بارعين فى الجدل والخطابة والإقناع، حتى ولو كانت الحجج متناقضة. كانوا بارعين فى الدفاع عن الشىء ونقيضه فى الوقت ذاته، معتمدين على البلاغة أكثر من الحقيقة، حتى أشاعوا الفوضى والارتباك فى المجتمع اليونانى، وكانت نهايتهم سيئة.

الفوضى الغذائية، التى أحدثها أطباء التريند، لم تعد مجرد آراء، بل أصبحت صناعة محتوى قائمة على التخويف، وكلما كان العنوان أكثر رعبا، زادت المشاهدات، وكلما بدا الطبيب أكثر غضبا وثقة، صدقه الناس أكثر!

الخطير، أن كثيرا من هذه الرسائل تقدم بمعزل عن السياق العلمى الرصين، فالعلم الغذائى بطبيعته متغير ومعقد، وتوجد فيه مدارس متعددة، لكن بعض هؤلاء الذين يرون فى أنفسهم المالكين للحقيقة، يختزلونه فى «وصفة خلاص نهائية» وكأن البشر كانوا فى جهل ينتظرون ظهورهم على تيك توك ليعرفوا الحقيقة!
للأسف الشديد أن السوشيال ميديا صارت ماكينة إنتاج الهلع، وترويج الخرافات، وتكافئ الباطل على حساب الحقيقة، والصدمة على حساب الأمان.
وانطلاقا من ذلك، لا بد لوزارة الصحة ونقابة الأطباء، ولجنة الصحة بمجلس النواب وأساتذة الطب فى الجامعات، أن يضطلعوا بدور بارز فى وضع حد لهذه الفوضى الطبية على مواقع السوشيال ميديا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة