حازم حسين

قسمة الغرماء ومُقاصّة المهزومين

الأحد، 10 مايو 2026 02:00 م


سقطت الثقة تماما، ولحسن الحظ لم يتبعها العقل؛ حتى الآن على الأقل. إنها مواجهة بلا شعبية على الإطلاق، وطرفاها راغبان فى العودة عنها؛ ما يُرجّح أن تؤول إلى رُكن مُظلم، عنوانه «لا حرب ولا سلم»!


تتعثّر الهُدنة المُعلنة فى فواتح أبريل؛ غير أنها لم تتبخّر بعد. تعكّرت المياه بينهما مرّة بعد أخرى، وصَفَت سريعًا.
اشتباك الخميس دليل على أنهما مُتوجّسان من بعضهما، واحتواؤه سريعًا وقبل أن يتطوّر يؤكد زهدهما فى الخيارات الخشنة، وأنهما مُسيّران اضطرارًا إلى النعومة أو الجمود، ومُخيَّران فقط فى الإيقاع لا الوجهة.


لا نصر ولا هزيمة يُقام عليهما عِماد اتفاق. كلاهما يدّعى ما لا ظلّ له، ويعلم يقينًا أنه ما فاز، ولا خسر الغريم. وعليه؛ فالمفاوضات على التنازلات، وليس تظهير ما رسّمه الميدان بمادّة السياسة.


أَتت واشنطن بحزمة عناوين، أو مطالب. ومُجرّد الجلوس إلى الطاولة على البعض لا الكُل، إقرار ضمنىّ بإخفاقها فى الهيمنة وفرض الإرادة.
فى المقابل، ماطلت طهران طويلاً بشأن البرنامج النووى وحقها فى التخصيب.


والقبول بالتجميد مع الاختلاف فى المُدّة؛ إنما يؤشِّر على قناعة بالتداعى وتآكل الأوراق، وبانحسار فرص المقاومة، أو التصلُّب بلا أُفق واضح زمنيا ودبلوماسيا.
البحث كُلّه يدور عن تصويب خطايا الأسابيع الماضية بأقل الأضرار، وحفظ ماء الوجه دون الاضطرار إلى التوقيع علنًا على خلاف ما رُفِضَ سابقًا.
أى أن ترامب يحتاج ظاهرًا لأكثر ممّا كان فى صفقة 2015 التى أسقطها عمدًا. والملالى وجنرالاتهم يُفتّشون عن منفذ للنجاة من فخٍ استُدرجوا إليه؛ من دون أن يظهروا فى صورة الضعيف المُتوسِّل.


والحصافة تقتضى منهما المُقاصّة فى الديون والأعباء، وبما لا يتعمّد إحراج الرئيس الأمريكى وتقشير ذاته المُتضخّمة، ولا يذهب فيه الأخير إلى دفع خصومه للالتصاق بالجدار، أو الحفر بخنجره فى جروح كرامتهم وكبريائهم الغائرة.


وبعيدًا منهما؛ فإنها قسمة غرماء بلا استشارة أو اختيار. ظاهرها أن تتوزّع التركة على الدائنين بالنسبة والتناسُب، وجوهرها الخصم والتنزيل من أَصل الدَّين.
لن تُحقق إسرائيل ما كانت تطمع فيه كاملا؛ وإن أحرزت شطره الغالب. دول الجوار لن تُعوَّض عن العدوان عليها، والأزمة باقية وإن فى صندوقٍ شفاف.
ما يعنى أنها جَمر مُتّقد تحت الرماد، ومُرشّحة للاشتعال فجأة، أو تفجير منطقة تتربّع على برميل نفطٍ وبارود فى أى وقت.

لا يصح النظر لمعركة فبراير بمعزلٍ عن نسختها الأولى فى يونيو/ حرب الاثنى عشر يومًا، ولا للسابقة خارج الإرث الطويل مع الثورة الإسلامية وتوابعها، وقبلها وضعية الهضبة الفارسية فى زمن الشاه، وانخلاعها من بين تروس الماكينة الأمريكية فى الخليج ووسط آسيا.


بمعنى أو آخر، تُفتَح اليوم حسابات الماضى، ويتكفّل الحاليون بالتعويض عن إخفاقات السابقين، أو الاقتصاص من الدراما بأثر رجعى. وما لم تُستكمَل التصفية؛ فسيصير الراهن ثأر المُقبِل، كما كان السالف وجيعة الحاضر.


أخطأت الولايات المُتّحدة قديمًا، ودفعت أثمانًا باهظة، أعلاها فى تفجيرى السفارة وثكنة المارينز بلبنان. ودفّعت غيرها بإخلاء العراق للملالى، والصمت على تمدّدهم فى شرايين المنطقة، من الشام شمالا إلى اليمن جنوبًا، وقد كان سعيدًا وجعلوه مع الإخوان وغيرهم بائسا.
وثَقَت إيران فى مناعتها بأكثر ممّا يجب، وما يتوافر لجسمها وامتداداته من دفاعات حيوية أصلاً.


وانصرفت الإدارة الأمريكية عن اختبارها من نقطة الصفر؛ قبل أن يُطلّ على المشهد رجل من خارج الصناديق كُلّها، عصىّ على التوقُّع، ومفتون بصدمة الآخرين.


فى ولايته الأولى؛ أجهز ترامب على الاتفاق النووى وقاسم سليمانى معًا. وفى نسخته الثانية كان سيتحرّك ضدّ الجمهورية الإسلامية فى كل الأحوال، بالطوفان وتحريض إسرائيل، أو دون ألاعيب نتنياهو واندفاعته المزلزلة للخرائط.


ما يجرى على سطح الأحداث ليس مُفاجئًا. ربما تتضاعف فيه جرعة الإثارة واللا معقول؛ غير أنه تعبير عن نزعة ثأرية تتسلّط على قائد تيار العظمة الأمريكية «ماجا»، والغضب فيها ناشئ عن نظرته إلى أسلافه؛ وإن كان يتجلّى عمليا فى علاقته بالخارج.


إنه يقتص من بايدن وأوباما وسواهما من الديمقراطيين، بل ومن كل الجمهوريين الذين لم يكونوا صقورًا جارحة بالفعل أو الأثر، كما كان وليم ماكينلى وروزفلت وأيزنهاور، وقبلهم مونرو بمبدئه الانعزالى ظاهرا، والمُؤطِّر لحديقة الولايات المتحدة الخلفية بالحديد والنار.


أقصى ما يُمكن التوصُّل إليه أن يعود هُرمز لما كان عليه قبل شهرين. وتُستعاد خطة العمل الشاملة المشتركة «الاتفاق النووى» بتحسينات.
ويُتَّفق على ترتيبات أمنية أقرب إلى ترسيم الحدود والتوازنات، مع تعهّدات ثنائية مُتبادَلة، وضمانات إقليمية ودولية، دون تسوية نهائية أو تطبيع شامل، وإلى أن تتعقد الخيوط وتتأجج النار مُجدّدًا.


ترامب إلى الصين فى الأسبوع المُقبل، ولا يُريد أن يُحبس فى قمقم تقف على فوّهته، أو يُشَدّ من أذرعه بين حربين يتحكّم فيهما حليفان لها: أوراسيا مع الروس، والخليج مع الفُرس.


ومن الزيارة لكأس العالم لكرة القدم، بحساباته الدعائية والاقتصادية. ثم تحضيرات الانتخابات النصفية بعد البطولة بثلاثة أشهر تقريبا.
الوقت صنعة الإيرانيين، والرهان عليه دأبهم؛ غير أن الطاقة تُوشك على النفاد. والوقت قَيد الأمريكيين، وناره تُطوّق عُنقهم؛ إنما يظل صاحب القرار هناك مزاجيًّا مُتقلّبًا ولا أمان له.


اللعبة بين مُختلين. يفترقان ويلتقيان، ولا قدرة لأحدهما على استمالة الآخر أو كسر إرادته.
كلما امتد الصراع؛ تتعاظم التكاليف على الجميع، والمُحايدين قبل المُنخرطين فى المعركة. سيذهبان إلى مُقاصّة وتسويةٍ، أغلبها إسقاط وإبراء، وأقلّها تعويض من أرصدة الآخرين.


والمنطقة التى ما اختارت الحرب ولا شاركت فيها، تحمّلت جُلَّ كُلفة القتال، وبـ»قسمة الغُرماء» ستُموّل استراحة المُتقاتلين بين جَولتين، ستكون خفّة أُولاهما فى اندلاعها ومسارها وشكل انطفائها، حُكمًا قاطعًا بحتمية وثِقَل الثانية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة