في المشهد الدرامي المصري المعاصر، أطلقت المخرجة والمؤلفة ياسمين أحمد كامل صرخةً مدوية عبر مسلسل "أب ولكن"، تضع بها الإصبع على جرحٍ غائر في جسد العلاقات الأسرية.
هذا العمل، الذي جسد بطولته الفنان محمد فراج باقتدار، لم يكن مجرد سردٍ لقصة أبٍ عصفت الأزمات ببيته المستقر؛ بل جاء تشريحًا مؤلمًا لتحول "البيت" من حضنٍ دافئ إلى "ملفٍ قضائي" بارد في أروقة المحاكم.
غير أن القراءة التربوية المتخصصة تكشف طبقةً أعمق من المعنى؛ فخلف تلك الصراعات القانونية تتوارى مأساة "الضحية الصامتة" وهو الطفل. فماذا عن ذلك الذي يعيش في عالم اضطراب طيف التوحد؟
هنا، لا تعود الحكاية نزاعًا بين بالغين، بل تصبح معركةً صامتة داخل نفس طفلٍ هش، يفتقد أدوات التعبير، ويعجز عن استيعاب التحولات العنيفة من حوله.
من منظور أكاديمي إكلينيكي، يمثل الاستقرار البيئي العمود الفقري لعملية التأهيل والاندماج لهؤلاء الأطفال؛ إذ يعتمد طفل التوحد على ما يعرف بالروتين الصارم (Rigid Routine)، حيث يجد أمانه في ثبات الأماكن وتكرار الإيقاع اليومي للأحداث.
ومن ثم، فإن انفصال الوالدين وما يصاحبه من تشتتٍ مكاني وزماني يحدث ما يمكن تسميته بـ"الانهيار الصامت"؛ وهو انهيارٌ لا يرى بالعين، لكنه يترك أثرًا بالغًا في البناء النفسي والمعرفي للطفل.
وتتفاقم الأزمة لدى الأطفال الذين يعانون من تأخر النطق، إذ يتحول الصراع الأسري في وعيهم المحدود إلى تهديدٍ وجودي، وقد يقود ذلك إلى انتكاسةٍ تطورية، تنطفئ فيها الكلمات القليلة التي اكتسبها الطفل، ليحل محلها الصمت أو نوبات الغضب بوصفها اللغة البديلة لفقدان الأمان، وهنا لا تقف الأسرة أمام تحدي الانفصال فحسب، بل تواجه تحديًا أشد تعقيدًا، يتصل بمصير النمو اللغوي والنفسي للطفل.
وحين تستحيل العودة بين الزوجين، ينتقل التحدي إلى مستوى آخر؛ إذ يجد استشاري علاج طيف التوحد أو اضطرابات النطق نفسه أمام اختبارٍ مهني وإنساني بالغ الصعوبة، وفي هذه الحالة، تتجاوز مفاهيم "الرؤية" و"الاستضافة" كونها حقوقًا قانونية، لتغدو ضرورةً علاجية لا غنى عنها ضمن البرنامج التأهيلي.
فمشاركة الأب في حياة الطفل لا تقتصر على الحضور الرمزي، بل تسهم في بناء بيئة ثرية لتعلم المهارات وتعزيز التواصل.
كما أن طفل التوحد يحتاج إلى التفاعل مع كلا الأبوين؛ فبينما تمثل الأم غالبًا دائرة الرعاية والأمان، يجسد الأب بوابة التفاعل الاجتماعي (Social Interaction) مع العالم الخارجي.
كما أن غياب أحد هذين البعدين لا يخلق فراغًا فحسب، بل قد يحول الطفل إلى أداة ضغط في صراع الكبار، الأمر الذي يفاقم اضطرابات التواصل، ويرسخ في "لاوعيه" ارتباط "الكلام" بالألم النفسي.
ولا يقف الأثر عند حدود السلوك الظاهر، بل يمتد إلى البنية العصبية ذاتها؛ إذ يؤثر القلق المزمن سلبًا على اللدونة العصبية (Neuroplasticity) لدماغ الطفل، ففي حالات تأخر اللغة، يحتاج الدماغ إلى بيئة هادئة ومستقرة لبناء الوصلات العصبية المسؤولة عن اكتساب المهارات اللغوية.
أما النزاعات المستمرة، فتبقي الطفل في حالة استجابة دائمة للضغط، وهي حالة تتعارض جذريًا مع متطلبات النمو المعرفي السليم، وقد رصدت بالفعل حالات فقد فيها الأطفال التواصل البصري تمامًا مع بدء إجراءات طلاق تصادمية.
هكذا.. لا يقدم مسلسل "أب ولكن" مجرد حكاية درامية، بل يقرع أجراس الخطر، مذكرًا بأن مصلحة الطفل يجب أن تتقدم على أي اعتبارات أخرى، فالأب ليس طرفًا في نزاع، بل شريكٌ أصيل في البناء النفسي والتربوي.
أما الرسالة الكبرى التي يبعث بها المسلسل لكل أسرة مصرية: أن بناء إنسانٍ قادر على نطق كلمةٍ واحدة بوعيٍ واتزان، هو في ميزان القيم، أسمى بكثير من أي انتصارٍ قانوني عابر في ساحات المحاكم الباردة.