حصار مدينة فيينا عام 1683 واحد من أبرز المعارك الفاصلة في
التاريخ الأوروبي والعثماني، إذ شكل نقطة تحول كبرى أنهت مرحلة التمدد العثماني في شرق أوروبا، ومهدت لاحقًا لتراجع النفوذ العثماني داخل القارة الأوروبية.
بدأ الحصار في 17 يوليو 1683، عندما قادت
الدولة العثمانية حملة عسكرية ضخمة ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة الإمبراطور ليوبولد الأول، قبل أن تنتهي المواجهة في 12 سبتمبر من العام نفسه بهزيمة العثمانيين على يد تحالف أوروبي واسع قاده ملك بولندا يوحنا الثالث سوبياسكي.
بداية الحصار
جاءت الحملة العثمانية بعد أن طلب الزعيم المجري الكالفيني إيمري توكولي من الصدر الأعظم العثماني قرة مصطفى باشا مهاجمة عاصمة آل هابسبورغ، مستفيدًا من التوترات السياسية داخل المجر.
وبدعم غير مباشر من القوات المجرية، تحرك نحو 150 ألف جندي عثماني باتجاه فيينا، وفرضوا حصارًا شديدًا على المدينة، حيث تمكنوا من السيطرة على التحصينات الخارجية، وبدأوا في حفر الأنفاق أسفل الأسوار الداخلية تمهيدًا لاختراقها.
ومع اشتداد الهجمات، اضطر الإمبراطور ليوبولد الأول إلى مغادرة المدينة، بينما بدا أن سقوط فيينا أصبح مسألة وقت.
تحالف أوروبي لإنقاذ المدينة
في المقابل، حاول البابا يوحنا الثالث سوبياسكي إقناع ملك فرنسا لويس الرابع عشر بمساندة الإمبراطورية الرومانية المقدسة ضد العثمانيين، لكنه لم ينجح، فاتجه إلى بولندا وقدم دعمًا ماليًا كبيرًا لتشجيعها على التدخل.
ورغم أن الملك البولندي يوحنا الثالث سوبياسكي كان قد أبرم معاهدة تحالف مع الإمبراطور في العام نفسه، فإنه تردد في البداية قبل أن يوافق على قيادة قوات الإنقاذ، خاصة بعد انضمام شارل دوق لورين إلى التحالف، إلى جانب قوات من ساكسونيا وبافاريا وأكثر من 30 أميرًا ألمانيًا.
معركة الحسم
تجمعت قوات التحالف الأوروبي، التي بلغ عددها نحو 80 ألف مقاتل، فوق تلال فيينا، وفي صباح 12 سبتمبر شنّت قوات لورين وسوبياسكي هجومًا واسعًا على الجيش العثماني.
وكان العثمانيون قد اقتربوا بالفعل من اختراق دفاعات المدينة، ويعتقد كثير من المؤرخين أنهم كانوا أقرب إلى السيطرة على فيينا مقارنة بمحاولتهم السابقة عام 1529.
واستمرت المعركة نحو 15 ساعة متواصلة، قبل أن تنتهي بانهيار القوات العثمانية وطردها من خنادقها المحيطة بالمدينة.
وخلال المعركة، تم تفجير الخيمة الحمراء الخاصة بالصدر الأعظم قرة مصطفى باشا، الذي تمكن من الفرار، بينما قُتل أو أُسر آلاف الجنود العثمانيين.
بداية تراجع النفوذ العثماني
ويعتبر المؤرخون أن فشل حصار فيينا مثّل بداية التراجع العثماني في أوروبا، بعدما فقدت الدولة العثمانية زمام المبادرة العسكرية في القارة، لتتحول لاحقًا إلى موقع الدفاع بعد قرون من التوسع.
كما تذكر الروايات التاريخية أن الجنود المنتصرين وسكان فيينا احتاجوا إلى أسبوع كامل لجمع الغنائم التي خلفها الجيش العثماني في معسكراته عقب الانسحاب.
وبذلك، بقي حصار فيينا عام 1683 واحدًا من أهم الأحداث العسكرية والسياسية في تاريخ أوروبا والعالم الإسلامي، لما حمله من تأثيرات كبرى على موازين القوى لقرون لاحقة.