فى زحام الآراء الطبية الباردة، وافتعال المعارك والأصوات العالية وتبادل الاتهامات. ننسى أحياناً أن الإنسان ليس مجرد "ملف" أو "رقم" أو "ضغط دم" يحتاج إلى ضبط؛ بل هو روحٌ تفتش عن الطمأنينة قبل العافية. لقد ورثتُ عن أبى وجدتى درساً لا تدرّسه كليات الطب، مفاده: أن الطبيب الذى لا يملك "طيبة"، لا يملك من الطب إلا قشوره. ومن يتعالى على الناس لا يستطيع علاجهم.
أتذكر جدتى جيداً، حين كانت تذهب للطبيب مثقلةً بأوجاع السنين. كانت تراقب الطبيب بعينٍ فاحصة، لا تهتم بشهاداته المتعددة المعلقة على الجدران ولا بثمن الكشف الباهظ، بقدر ما تهتم بـ "لغة كلامه" وابتسامة وجهه.
كانت تبتسم حين يمد الطبيب يده برفق ليعيد إنزال كمّ ثوبها بعد قياس الضغط، ووجها يضىء عندما يدفئ لها السماعة بيديه قبل أن يضعها على صدرها العليل، تلك اللمسة البسيطة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل كانت رسالة احترام وتقدير لكونها امرأةً أولا، وإجلالا لمهابة العمر ووقار السنين قبل أن تكون جسداً مريضاً.
بالنسبة لجدتي، كان سماعه لشكواها بعناية وكلمة "أنتِ بخير يا أمي" هى "المورفين" الذى يسكن آلامها. وإذا ما شعرت بلمحة غلظة، أو استعجال يفتقر للصبر، كانت تأمر أبى بالرحيل فورا، ويدب فيها قوة أن تقف بمفردها وتغادر الغرفة بكبرياء وهى التى جاءت على كرسى متحرك.
لقد أدركت بفطرتها ما صاغه القرآن الكريم فى قانونٍ خالد: "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". وهو والحبيب المصطفى. والذى كان يدعوا إلى الله الواحد الأحد .
الحقيقة العارية.. والمعلومة الجافة
أتعجب أن هناك من يظن أن قول الحقيقة يبرر الفظاظة، وأن صدق التشخيص يعطيه الحق فى غلظة القول. لكن الحقيقة بلا رفق هى "وقاحة"، والطب بلا حياء هو "ميكانيكا أجساد".
أرفض الحقيقة وإن كانت حقيقة. التى تُلقى فى وجه المريض كحجر صلد. فما فائدة أن يكون الطبيب "محِقاً" فى وصف المرض، وهو عاجز عن ضبط نفسه والامتناع عن ما هو ضار !!
إرثُ الحياء والصبر
هذا ليس مجرد رأى عابر، إنه "إرث عائلي" مغروس فى وجداني. تعلمت أن الصبر على ضعف المريض هو عبادة، وأن احترام خصوصيته وحياؤه هو جزء أصيل من العلاج. الطبيب هو الحكيم كما كان يعرف فى الماضى هو الفنانٌ الذى يجيد رسم الأمل بكلماته، وأديبٌ يعرف كيف يختار مفرداته ليداوى بها جراح القلق. دفاع هؤلاء عن "الغلظة" ليس دفاعاً عن الفكرة، بل هو دفاع عن "النموذج" الذى اعتادوا عليه. فالإنسان السوي، الذى تربى على العزة والكرامة فى بيتٍ يقدر الإنسان، لا يمكن أن يقبل بكلمة نابية حتى وإن كانت مغلفةً بالذهب؛ فالحر لا يطيق الضيم، والنفس الزكية تنفر من القبح بالفطرة.
ستظل "لمسة كُم الثوب" التى كان يفعلها ذلك الطبيب بوقار، هى المعيار الذى أقيس به رقى البشر. فالدعوة إلى أى حق، سواء كان ديناً أو علماً أو طباً، لا تكتمل إلا بـ "الموعظة الحسنة". فالقلوب قلاعٌ لا تُفتح بالقوة، بل بمفاتيح اللين والرحمة.