فى تقرير جديد لمبادرة صحح مفاهيمك الصادرة من وزارة الأوقاف بعنوان " ظاهرة التدين بالحماس" ، قالت أنه في زمن تتسارع فيه التغيرات وتكثر فيه الفتن، يُقبل كثير من الناس -خاصة الشباب- على التدين بإخلاص واندفاع، راغبين في طاعة الله والتقرب إليه، لكن ما يقع فيه البعض – بحسن نية – هو ما يُعرف بـ "التدين بالحماس"، وهي ظاهرة تبدأ بالنية الطيبة، لكنها قد تنحرف عن المنهج الصحيح حين يغيب العلم، وتغلب العاطفة، فيقع الفرد في الغلو، أو الجفاء، أو الخطأ في الفهم والتطبيق.
مفهوم وتوصيف ظاهرة التدين بالحماس
تُعرف ظاهرة التدين بالحماس بأنها: اندفاع الأفراد نحو الالتزام بالممارسات الدينية بشكل مفرط وسريع، دون تروٍ أو تعمق علمي في فهم الدين.
ويظن بعض الناس أن الحماسة الدينية المشتعلة وحدها كافية لبناء تدين صحيح، فيُقبلون على العبادات، أو الدعوة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بروح مشتعلة لكن دون تأصيل علمي أو فهم دقيق للمقاصد والضوابط الشرعية، هذا النوع من التدين تغلب عليه الانفعالات على حساب العلم، والتحمس قبل التفقه، وهو ما يخالف منهج النبوة الذي قدّم التزكية على الحُكم، والعلم على العمل، قال تعالى: {قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ} [يوسف: ١٠٨]، فالدعوة والممارسة يجب أن تكون على بصيرةٍ لا على مجرد انفعال أو تقليد.
آثار وأضرار التدين بالحماس
من أبرز الأضرار التي ينهى عنها الشرع وتؤدي إليها هذه الظاهرة:
1- الغلو والتشدد: قال تعالى: {يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ} [النساء: ١٧١]
وقال صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قالَها ثَلاثًا (رواه مسلم). أي المتشددون المتعمقون بلا علم.
2- العجلة والتهور: قال تعالى: {وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} [الإسراء: ١١]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه قَالَ: "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ دِينًا، فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: هَذَا مُنْكَرٌ؟ قِيلَ: وَمَتَى ذَاكَ؟، قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ خُطَبَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ" .
3- سوء الظن وسرعة التكفير والتبديع: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرَّجُلُ لأخيه يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما» .
أين توجد ظاهرة التدين بالحماس؟
تظهر غالبًا في:
- أوساط الشباب العائدين إلى الله دون مرافقة علمية أو تربوية، وكذلك الأوساط الشبابية التي تتأثر بخطاب انفعالي.
- بعض الأنشطة الدعوية المتعجلة التي تهتم بالشكل لا بالجوهر.
- على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ينتشر خطاب الحماسة السطحية، ويغيب الخطاب المتزن العميق.
- البيئات التي يُربّى فيها الناس على "الاصطفاء الزائف" أو "نحن فقط على الحق" دون فهم تعددية الاجتهاد وضوابط الشريعة.
- المجتمعات ذات الاندفاع العاطفي الديني دون تأصيل علمي.
- البيئات التي تضع العمل قبل الفهم، والمظاهر قبل المقاصد.
الرأي الشرعي في ظاهرة التدين بالحماس
الإسلام دين وسطية وعلم وبصيرة، ينهى عن كل أشكال التطرف والغلو، ويأمر بالتوازن: قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا} [البقرة: ١٤٣] فالوسطية هي منهج الإسلام في الاعتقاد والعمل.
وقد صنف البخاري بابًا في صحيحه تحت عنوان : بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْعِلْمِ، وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {یَٰۤأَهۡلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلا الْحَقَّ} [النساء: ١٧١].
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والتشدد، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» [رواه البخاري].
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أهَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [رواه النسائي].
وتدل الأحاديث السابقة على رفض الغلو والحث على التوازن في الدين، وقد أشار العلماء إلى أن العمل بدون علم قد يكون أحيانًا أكثر ضررًا من التقصير، لأن صاحبه لا يشعر بالخلل، بل يظنه إصابة للحق.
نتائج تجنب ظاهرة التدين بالحماس
من يلتزم بالعلم والاعتدال يُحقق:
- سلامة العقيدة والمنهج، كما قال تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: ٤٣]
- الرحمة في التعامل، كما قال تعالى: {وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩]
- النجاة من الفتن والهوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [رواه أبو داود].
علاج ظاهرة التدين بالحماس
1. طلب العلم الشرعي من مصادره الموثوقة، وعدم الاكتفاء بالمقاطع القصيرة والانطباعات الانفعالية.
2. الصحبة الصالحة المعتدلة، التي تربي الإنسان على التوازن لا على العجلة.
3. مرافقة العلماء والدعاة الحكماء، والتدرج في طلب العلم والعمل.
4. فقه الواقع وفقه الأولويات، فليس كل منكر يُنكر بنفس الطريقة، ولا كل طاعة تُطبّق دفعة واحدة.
5. استحضار الرحمة واللين في كل أمر؛ قال تعالى: {وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩].
التدين الصحيح نورٌ لا نار، فالحرص على طاعة الله نعمة عظيمة، لكن لا يكفي أن "تريد الخير"، بل لا بد أن "تفعل الخير كما أراد الله"، والدين علم وفهم وحكمة، قبل أن يكون حماسًا وهتافًا، ومن سلك طريق الوسطية والاعتدال، عاش الدين في قلبه وعقله وسلوكه، فكان نافعًا لنفسه ولأمته، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الأمورِ أوسَطُها».