في لحظة ظنّ فيها البعض أن الشرق الأوسط على وشك الاشتعال الكامل تحركت مصر بعقل دولة تعرف وزنها جيداً وتدرك أن الضجيج لا يصنع نفوذاً وأن القرارت احاسمه تُولد فى الغرف المغلقة بينما تُترك المنصات للضجيج فقط
الأحداث كشفت حقيقة واضحة: القاهرة خرجت من دور المتفرج إلى لاعب يدير الإيقاع، ينسّق ويهدّئ ويعيد رسم المشهد بالكامل. تحركات القيادة المصرية بين عواصم الخليج والاتصالات المكثفة مع أطراف متناقضة رسمت خريطة مختلفة تماماً عن تلك التي سعى البعض لفرضها بالقوة
الثابت أن مصر امتلكت ما عجز عنه غيرها: القدرة على فتح خطوط مع الجميع دون أن تفقد توازنها. علاقات ممتدة مع الخليج وقنوات مفتوحة مع طهران وتواصل محسوب مع واشنطن… معادلة صعبة لا يجيدها إلا من يفهم طبيعة هذا الإقليم جيداً
وسط دعوات التصعيد جاء الموقف المصري كضربة عقل بارد في وجه اندفاع أعمى .إبعاد دول الخليج عن أتون الحرب جاء نتيجة قراءة واعية لمخطط كبير يستهدف استنزاف المنطقة حتى آخر نفس
النتيجة واضحة: دول نجت من كارثة وأخرى كانت تنتظر لحظة الانفجار
ورغم ذلك خرجت أصوات تحاول التقليل من هذا الدور بل وذهبت إلى حد المزايدة. أصوات تعرف الحقيقة جيداً لكنها تفضل الضجيج على الاعتراف. السؤال البسيط الذي يفضح هذا التناقض: أين كانت قرارات الحرب التي يُفترض التضامن معها؟ وأين كانت الشجاعة حين اقتربت لحظة الاختبار؟
الكبار لا ينجرفون خلف الانفعالات، الكبار يطفئون الحرائق قبل أن تلتهم الجميع. وهذه القاعدة أثبتت القاهرة أنها ما زالت تتقنها جيداً
ما جرى خلف الكواليس كان أكثر أهمية من كل ما قيل في العلن. تنسيق ثلاثي جمع مصر وتركيا وباكستان ورسائل متبادلة أعادت فتح أبواب التفاو، وضغوط هادئة دفعت الجميع خطوة للخلف بدل القفز نحو الهاوية. حتى داخل الإعلام الأمريكي ظهرت إشارات واضحة إلى دور مصري فاعل في تقريب المسافات بين واشنطن وطهران
النتائج جاءت كاشفة: صمود إيراني فرض معادلة جديدة، حكمة خليجية جنّبت المنطقة استنزافاً مكلفاً ودبلوماسية مصرية استعادت موقعها في قلب اللعبة. أما الغطرسة التي سادت المشهد في البداية فقد تراجعت أمام حسابات الواقع
هذه الحرب أعادت ترتيب الأوراق وفتحت الباب أمام شكل مختلف من التحالفات. تقارب إقليمي يتشكل بهدوء ومصر في مركزه، تمسك بخيوط معقدة وتعيد نسجها بما يعزز استقرار المنطقة ويمنع إشعالها
داخلياً الرسالة وصلت بوضوح: الشارع المصري يملك وعياً يسبق كثيراً من الأصوات العالية ويدرك أين تكمن مصلحة الدولة. هذا الوعي يمنح مساحة حركة لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية أكبر على الحكومة لتحويل هذا الاستقرار إلى واقع اقتصادي أفضل يشعر به الناس
فى النهايه اريد ان اقول ان من يراهن على الفوضى يخسر ومن يختبئ خلف القوى الكبرى يكتشف متأخراً أنه كان مكشوفاً طوال الوقت. أما من يعرف قيمة نفسه، فيكتب قواعد اللعبة… حتى في أصعب اللحظات
تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر