فوجئ الحاضرون بمؤتمر قادة أحزاب دول الشمال الأفريقى اللاجئين فى القاهرة بشاب يطلب الكلمة، فسمحوا له، وتحدث بالفرنسية فى اجتماع عربى، تنظمه جامعة الدول العربية، لمناقشة تقديم الدعم لهذه الأحزاب لتحرير بلادها من الاستعمار الفرنسى صاحب اللغة التى يتحدث بها هذا الشاب.
كانت مصر تقف وراء هذا الاجتماع، وكان فتحى الديب رئيس دائرة الشؤون العربية برئاسة الجمهورية وضابط المخابرات المصرية يحركه من وراء الستار، يساعده عزت سليمان، والإذاعى الشهير أحمد سعيد، رئيس إذاعة صوت العرب، وكان ذلك فى سياق تنفيذ خطة «الديب» التى ناقشها مع جمال عبدالناصر لتحرير البلاد العربية الواقعة تحت الاحتلالين الفرنسى والإنجليزى، وكان هذا الاجتماع أول تأسيس لمساعدة مصر للثورة الجزائرية التى انطلق كفاحها المسلح أول نوفمبر 1954.
يذكر أحمد سعيد فى مذكراته غير المنشورة وبحوزتى نسخة منها، أن هذا الاجتماع بدأ يوم 3 أبريل 1954، وتواصل فى جلسة ليل 4 أبريل، وقال فيها عبدالمنعم مصطفى أمين مساعد الجامعة العربية ورئيس الاجتماع، إن جلستنا اليوم تبدأ بسماع وجهة نظر إخواننا الجزائريين، وكانت المفاجأة فى رفع الشاب مزيانى مسعود يده طالبا الكلمة.
يكشف أحمد سعيد فى الفصل الخاص من مذكراته بعنوان «الجزائر بلد المليون شهيد ومخاض ثورة فى مكاتب صوت العرب»، أن عبدالمنعم مصطفى تردد وهو يوجه نظرة سريعة إلى فتحى الديب، فى ذات الوقت الذى كان محمد خيضر «ممثل حزب الشعب الجزائرى» يهز رأسه موافقا وهو يقول: «نعم ليبدأ كلام الجزائر بمزيانى مسعود، ويتبعه أحمد بيوض، مشيرا بكف يده اليمنى إلى مزيانى بأن يبدأ فى الحديث».
بدأ مزيانى حديثه، ويذكر فتحى الديب فى كتابه «عبدالناصر وثورة الجزائر»: «قدم نفسه باللغة الفرنسية معتذرا أنه مضطر للتحدث بها التى يعتقد أننا نفهمها، معللا اعتذاره بأنه لا ذنب له فى ذلك، ملقيا اللوم على الاستعمار الفرنسى الذى فرض على الجزائر والجزائريين الإرهاب العسكرى والاستعمار الثقافى، وحرمهم من الإلمام بلغة آبائهم وأجدادهم ولغة القرآن الكريم كتاب دينهم، بل حرمها عليهم مبدلا إياها وإجباريا باللغة الفرنسية، فأصبح هو ككل شعب الجزائر غير قادر على التعبير عما يجيش بصدره أو حتى التعامل مع الآخرين بغير اللغة الفرنسية، وطلب من الجميع أن يغفروا له عدم قدرته على التعبير بالعربية».
يضيف «الديب»: «انطلق الشاب وفى انفعال صادق يعبر من أعماقه وبلغة فرنسية سليمة، وكثيرا ما أثار مشاعرنا بصدق تعبيره والتزامه بالصراحة التامة والنقد الموضوعى لكل ما سمعه ولمسه من تعامله السابق مع كل النوعيات الحزبية»، قال الشاب: «إنه يعبر عن شباب الجزائر الذى كفر بالممارسات الحزبية والنضال السلمى، وأن أخوة له من أبناء الشعب الجزائرى المخلصين آمنوا بأن الكفاح المسلح هو الطريق الإيجابى الوحيد لتحرير وطنهم، وأنهم لا يطلبون مالا، وإنما يطلبون سلاحا ليقاتلوا به ويموتوا عليه».
يؤكد الديب: «كانت سعادتى فى ذروتها بما احتوته كلمات الثائر الشاب من معان وقيم مست الوتر الحساس فى نفسى، رغم اندفاع ممثلى تونس والمغرب إلى التأكيد على ما سبق أن قالوه بالأمس من أن الوضع فى الجزائر لا يسمح بأى كفاح مسلح مستمر ومؤثر، بعكس الوضع فى الجناحين تونس والمغرب، وأنه لا أمل لنجاح أى كفاح جزائرى، مالم يتحرر البلدين أولا».
يتذكر «سعيد» فى مذكراته، أن الاجتماع بدأ يتكهرب بسبب بعض التوانسة والمغاربة، وتدخل هو بعد تبادل نظرات بينه وبين فتحى الديب، قائلا: «يا حضرات، فرنسا حاليا مرهقة عسكريا واقتصاديا وبشريا ونفسيا بعد هزيمتها الساحقة فى «دين بيان فو الفيتنامية»، وزاد إرهاقها بثورة المغرب ضدها لخلعها السلطان محمد الخامس، ووجود مقاومة فى تونس، فما بالكم لو اشتعلت ثورة ضدها فى الجزائر، أنا على ثقة من واقع استقرائى لتاريخ الثورات والحروب، إن فرص تونس والمغرب فى الاستقلال أضمن وأسرع باشتعال ثورة فى الجزائر وتأمين استمرارها».
يؤكد سعيد، أنه بعد كلمته أعلن رئيس الاجتماع بحسم، أن الجامعة العربية لن تقدم أى دعم ما لم تكن هناك جبهة واحدة، تضم كل الأحزاب والجماعات التى تنادى باستقلال أقطار المغرب العربى»، ويضيف أنه فى الساعة الحادية عشرة وسبعة وخمسون دقيقة من ليل 4 أبريل 1954، وقع ممثلو أحزاب تونس والمغرب والجزائر على ميثاق إنشاء لجنة «تحرير المغرب».
ويكشف: «فى صباح 5 أبريل، مثل هذا اليوم، 1954، ذهب محمد خيضر بمزيانى مسعود إلى مكتب فتحى الديب فى المخابرات العامة، معلنا مضيفه بأنه سيترك له مزيانى ليبوح له وحده كمسؤول مصرى بأسرار زملائه فى الجزائر»، يؤكد سعيد: «استغرقت الجلسة الأولى أكثر من ثلاث ساعات من المصارحة، بدءا من أن مزيانى مسعود اسم مستعار حتى لا يقع فى أيدى مطارديه الفرنسيين، بعد فراره من السجن أثر عملية مكتب بريد وهران لتمويل التنظيم الثورى الناشئ، وان اسمه الحقيقى «أحمد بن بيلا» المكلف من زملائه بالتعرف على موقف حكومة الثورة فى مصر من أى تحرك ثورى مسلح فى الجزائر».