مع التغيرات الكبيرة في طبيعة الصراع الدولي، على النحو الذي أسهبت في شرحه في المقالات السابقة، لم تعد تداعياته تقاس بذات المعايير التي حكمت العقود الماضية، خصوصا على المستوى الاقتصادي، الذي كان ازدهاره تاريخيا مرادفا للاستقرار، وبالتالي كانت التوترات الدولية تعد تهديدا مباشرا لأي آمال تنموية، وهو ما يفسر حرص القوى الكبرى على إبعاد ساحات الصراع جغرافيا عن مراكزها ومراكز حلفائها، حتى وإن ظلت حاضرة سياسيا.
إلا أن الواقع الجديد، القائم على صراعات ممتدة زمنيا ومتمددة جغرافيا، يفرض على الأسواق إعادة تعريف معاييرها، إذ لم يعد الانتظار حتى يتحقق الاستقرار مجديا، نظرا لإطالة أمد الصراع بصورة كبيرة، بقدر ما أصبحت الحاجة ملحة للتحرك داخل بيئة دولية متوترة، عبر تحقيق مستويات أعلى من المرونة التي تتيح العمل في ظل الصراع، لا خارجه، خاصة مع بقائه ضمن حدود محسوبة تحول دون انزلاقه إلى مستوى الحرب الشاملة، ليصبح التساؤل الذي يثور ليس حول الكيفية التي تؤثر فيها التوترات الدولية على الاقتصاد، وإنما كيف أصبح التوتر في ذاته موردا اقتصادية، ربما تتجاوز ربحيته أزمنة الاستقرار، دون أن ينفي ذلك كلفته الباهظة، والتي تتجاوز الأبعاد الاقتصادية التقليدية، نحو العديد من المسارات الأخرى، تتراوح بين الخسائر العسكرية والتداعيات السياسية، ناهيك عن خسارة أرواح المئات بل الألاف من البشر جراء حالة الحرب.
وهنا نلمس تطورا ملحوظا في الأداء الاقتصادي، حيث لم يعد الاستقرار شرطا للنمو، بل أن التوتر ذاته تحول إلى بيئة يمكن العمل من خلالها، وتحقيق قدر من المكاسب قد لا تتوافر في ظروف أكثر استقرارا، خاصة بالنسبة لأطراف الصراع أنفسهم، ويتجلى ذلك بوضوح في العديد من المشاهد، من بينها الطرح الإيراني الذي يدور حول فرض رسوم على السفن العابرة في مضيق هرمز، رغم كونه ممرا دوليا تحكمه قواعد الملاحة الدولية ولا يمكن التعامل معه كأداة سيادية خالصة لدولة بعينها، وهو ما يمثل محاولة من قبل طرف يعاني من الحصار لإيجاد عائد يمكنه المساهمة في تعزيز الصمود.
ولا يمكن قراءة هذا الطرح باعتباره مجرد رد فعل مباشر على الضغوط العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل يعكس تحولا أعمق في توظيف التوتر ذاته، ليس فقط كأداة ضغط سياسي، وإنما كمصدر محتمل لإعادة توليد العوائد، عبر تسعير المخاطر المرتبطة ببيئة الصراع، خاصة إذا ما اتسمت تلك البيئة بحيويتها، على غرار المضيق، والذي يعد إغلاقه بمثابة تعميم للأضرار الناجمة عن العدوان الأمريكي والإسرائيلي، لتغطي رقعة جغرافية واسعة، بينما يقدم فرصة في المقابل، لتحويل التوتر القائم من مجرد كونه عبئا اقتصاديا خالصا، إلى مورد قابل للاستثمار، يستخدم للالتفاف على القيود المفروضة، وإعادة إدخال الدولة في معادلة السوق، ولو من بوابة المخاطر.
ولا يقتصر هذا النمط على الحالة الإيرانية، بل يعكس اتجاها أوسع، وجد مكانه في بنية الاقتصاد الدولي، حيث امتد إلى صراعات أخرى، وعلى رأسها الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، والتي أعادت هيكلة خريطة تدفقات الطاقة العالمية، ليس فقط من حيث الكميات، وإنما من حيث أنماط التسعير وإعادة التوزيع.
فمع امتداد الصراع زمنيا دون حسم، تحولت تقلبات أسعار النفط والغاز إلى مساحة مفتوحة لإعادة التفاوض على العقود، وإعادة توجيه الإمدادات، وخلق فروق سعرية بين الأسواق، بما أتاح تحقيق عوائد إضافية لأطراف منخرطة في الصراع، لم تكن لتتحقق في ظل استقرار كامل، ناهيك عن توظيف الطاقة كسلاح لإدارة المسافة بين الخصوم، كما يظهر في علاقة روسيا بمحيطها الأوروبي، حيث تستخدم ورقة النفط والغاز لتحقيق عوائد اقتصادية من جانب، وممارسة ضغط مضاد لتخفيف حدة العقوبات من جانب آخر.
غير أن النقطة الجديرة بالملاحظة في سياق الحروب الأخيرة، هي أن هذا التحول لا ينطبق على جميع أنماط الصراع، إذ تظل القدرة على تحويل التوتر إلى عوائد مرتبطة بامتلاك أدوات التأثير في السوق أو التحكم في موارد استراتيجية، وهو ما يجعل "اقتصاد التوتر" ظاهرة انتقائية، أكثر منها قاعدة عامة.
والمفارقة المثيرة للانتباه في هذا السياق تبدو بوضوح، في فك الارتباط بين القيمة الاقتصادية والاستقرار، أو حتى بحجم الموارد أو السيطرة عليها، بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على توظيف التوتر ذاته، وما يفرضه من حالة عدم يقين تفتح المجال لإعادة التفاوض، وإعادة التوزيع، ومن ثم إعادة التسعير، بما يحقق مكاسب قد لا تكون ممكنة في أزمنة الاستقرار.
وتكمن الخطورة الحقيقية في هذا التحول، ليس في وجود التوتر ذاته، وإنما في كونه لم يعد عبئا اقتصاديا خالصا، بل أصبح عاملا قادرا على تعزيز العوائد، وخلق فرص غير تقليدية لإعادة التموضع داخل النظام الدولي، فبينما يظل النشاط الاقتصادي في ظل الاستقرار قائما على وتيرة ثابتة يمكن التنبؤ بها، يفتح التوتر المجال أمام طفرات مفاجئة ناتجة عن إعادة التسعير، وإعادة التفاوض، وإعادة توزيع الموارد، بما يسمح لبعض الأطراف بتقليص الفجوة مع خصومها، سواء على المستوى الكلي في إطار الموقع داخل النظام الدولي، أو على المستوى الميداني عبر تخفيف أثر الضغوط المفروضة عليها.
وهنا يمكننا القول بأن التوتر لم يعد مجرد ظرف استثنائي تسعى الدول إلى تجاوزه، بل يتحول إلى أداة يمكن توظيفها لإعادة تشكيل موازين القوة، بما يجعله أحد العوامل المؤثرة في إنتاج القيمة، لا مجرد تهديد لها، وربما لا تكمن المفارقة في وجود التوتر، بل في أن غيابه الكامل لم يعد بالضرورة هو الحالة الأكثر ربحا، وهو الأمر الذي يفسر، في جزء منه ما سبق وأن وصفته بـ"التماهيات" بين الخصوم، والتي تحمل في طياتها العديد من الأبعاد، جعلت من استمرار الصراع بمثابة اتفاق ضمني فيما بينهم، شريطة أن يحتفظ بحدود معينة لا يتجاوزها نحو الحسم الكامل أو الإجهاز على الخصم، وبما يسمح لكل الأطراف بالحديث عن الانتصار على الآخر، بحسب رؤية كل منهم.