<< عملنا تحت القصف ولم نغادر مستشفى شهداء الأقصى رغم استهداف عائلاتنا
<< أجرينا عمليات بدون تخدير ونقص الدواء حصد أرواح المرضى أمام أعيننا
<< أكثر من 1700 شهيد من الطواقم الطبية ثمن تمسكنا بإنقاذ الأرواح في غزة
<< المجاعة ضربت الأطباء وكنا نحصل على رغيف خبز كل 48 ساعة ونعتبره إنجازًا
<< وزن الأطباء انخفض 40% بسبب المجاعة وسوء التغذية
<< إذا تركنا المستشفى لحظة واحدة نحكم على المرضى بالإعدام
<< الاحتلال دمر المنظومة الصحية ومنع إدخال الأجهزة والمستلزمات حتى اليوم
<< غزة تحتاج إعادة بناء كاملة للقطاع الصحي من الأجهزة إلى المولدات
<< الأطفال دفعوا الثمن الأكبر.. وسوء التغذية وانتشار الأمراض يهددان جيلا كاملا
<< الرسالة الطبية لم تسقط تحت الركام
في الحروب، تتشابه صور الدمار وتختلف تفاصيل الألم، لكن تبقى هناك فئة تقف في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت، تحمل على عاتقها ما يفوق طاقة البشر، وتواصل أداء رسالتها تحت القصف والجوع والفقد، داخل غزة، لم تكن الأطقم مجرد شهود على حرب امتدت لأكثر من عامين، بل كانوا في قلب المشهد، يسابقون الموت كل دقيقة، ويكتبون بدموعهم وعرقهم فصولا من التضحية الصامتة التي قل أن يلتفت إليها العالم.
منذ اللحظة الأولى للعدوان، تحولت المستشفيات إلى خطوط مواجهة متقدمة، لا تهدأ فيها صافرات الإسعاف، ولا تنقطع فيها أنين الجرحى، انهارت المنظومة الصحية تباعا تحت وطأة الاستهداف المباشر ونقص الإمدادات، وتوقفت أقسام كاملة عن العمل، وتعطلت أجهزة حيوية لعدم توفر الوقود أو قطع الغيار، ومع ذلك، بقيت الأطقم الطبية في مواقعها، تعمل لساعات متواصلة تمتد لأيام، بلا نوم كاف، ولا غذاء منتظم، وأحيانا بلا أجر يُذكر، بينما عائلاتهم تعيش تحت الخيام أو بين ركام البيوت المهدمة.
كان الطبيب في غزة يخلع معطفه الأبيض لثوان قليلة، لا ليغادر، بل ليمسح دمعة سريعة على فقدان قريب أو صديق، ثم يعود إلى غرفة العمليات ليكمل جراحة قد تُجرى بلا تخدير كاف، أو في ممر مزدحم بالجرحى، كثيرون منهم لم يعودوا إلى منازلهم منذ بداية الحرب، اتخذوا من أروقة المستشفيات مأوى مؤقتا، ومن ضجيج القصف خلفية دائمة لعملهم اليومي، بعضهم استهدفت عائلاته، وبعضهم ودع أبناءه أو إخوته، لكنهم واصلوا أداء الواجب، لأن الانسحاب في تلك اللحظات كان يعني ترك مئات المرضى لمصير مجهول.
ومع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، وأمام انتشار الأمراض وسوء التغذية والمجاعة، وجد الأطقم الطبية أنفسهم أمام تحد أخلاقي ومهني قاس، كيف يداوون الجراح بأيد شبه فارغة؟ كيف يطمئنون أما على طفلها وهم يعلمون أن الحليب شحيح والتطعيمات نادرة؟ وكيف يشرحون لمريض مزمن أن دواءه لم يعد متوفرا، بينما القوافل تنتظر الإذن بالدخول؟
هذا الحوار يفتح نافذة على تجربة طبيب عايش الحرب يوما بيوم، من داخل مستشفى يكاد يكون الأخير في محافظته، تحدثنا مع الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، وأحد المتحدثين باسم وزارة الصحة بالقطاع، جمع بين دوره الإنساني والمهني والإعلامي، فنقل صوت زملائه إلى العالم، وهو يعيش ذات المأساة التي يرويها، شهادة عن طاقم طبي لم يكونوا فقط ملائك رحمة، بل حارس حياة في زمن الإبادة، دفع من صحته وأسرته وأحلامه ثمنا لبقاء شعلة الطب مضيئة وسط العتمة، وإلى نص الحوار..

الدكتور خليل الدقران
في البداية .. كيف ترى وضع غزة بعد الحرب؟
في الحقيقة الوضع في غزة لم يختلف كثيراً منذ بداية حرب الإبادة وبعد أن تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لأن الاحتلال ما زال يحاصر قطاع غزة ويمنع دخول المساعدات إلا بكميات قليلة جداً سواء من المعابر أو معبر رفح.
هل قلت الأعباء على القطاع الصحى بعد وقف إطلاق النار؟
لا.. الاحتلال منذ الإعلان عن أنه فتح معبر رفح ما زال يتلكأ في إدخال المساعدات وإدخال ما يلزم المنظومة الصحية من أدوية ومستلزمات طبية، وكذلك ما زال يتلكأ في خروج المرضى والمصابين للعلاج خارج غزة، لذلك الوضع الصحي في القطاع ما زال وضعاً سيئا للغاية .
هل دخلت أجهزة طبية للقطاع منذ وقف إطلاق النار؟
لم يحدث.. الاحتلال لم يسمح بدخول أي جهاز طبي وما قام بإدخاله من أدوية ومستلزمات طبية هو لا يساوي نقطة في بحر من الاحتياجات للمنظومة الصحية، ولذلك الوضع ما زال مأساويا.

المتحدث باسم وزارة الصحة ومستشفى شهداء الأقصى خليل الدقران
ما هي أبرز احتياجات الفلسطينيين في غزة يمنع الاحتلال دخولها حتى الآن؟
الاحتلال لا زال يمنع دخول المساعدات وخاصة الكرفانات اللازمة للمواطنين الذين يعيشون في خيام مهترئة غمرتها مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي.
أمراض كثيرة انتشرت داخل القطاع خلال الحرب منها أمراض نادرة.. ما العوامل التي ساهمت في انتشارها؟
بالفعل انتشرت بين المواطنين الأمراض بشكل كبير للغاية، لأنهم يعيشون في بيئة غير صحية، بسبب أن مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار غرقت وغمرت الخيام، وكذلك المواطنون أيضا يعيشون فوق ركام ممتلئ بالجرذان والحشرات، فأصبحت البيئة خصبة لانتشار الأمراض، وبذلك يتردد على مشافي غزة أعداد كبيرة من المرضى نتيجة انتشار هذه الأمراض.

الفلسطيني خليل الدقران
كيف تعاملت المستشفيات مع هذا العدد الكبير من المرضى؟
المشافي في القطاع معظمها تعمل بشكل جزئي لأن الاحتلال خلال حرب الإبادة دمر معظم الأقسام ودمر معظم الأجهزة الطبية، وأيضا المستشفيات مهددة بالتوقف نتيجة أن إسرائيل تمنع دخول المولدات الكهربائية التي تعتبر هي الشريان الرئيسي لتشغيل المشافي في قطاع غزة.
ما هي أصعب لحظة مررت بها خلال هذا العدوان؟
من أصعب اللحظات التي مرت علي وعلى جميع الطواقم الطبية والمواطنين في غزة هي مراحل الحصار المطبق وخاصة في السنة الأخيرة من الحرب، وانتشار المجاعة بشكل كبير جدا، وانتشار سوء التغذية بين المواطنين، ولذلك هذه كانت ظروف سيئة للغاية مع انتشار الأمراض بشكل كبير، وأصبح المواطنون في قطاع غزة بلا مأوى وبلا غذاء وبلا دواء فكانت أيام صعبة، خاصة أن أوزان جميع المواطنين في القطاع انخفضت إلى أكثر من 30 و40 %، فهذه كانت من الأيام الصعبة، ناهيك عن سياسة الاحتلال في تدميره واستهدافه بشكل مستمر للمواطنين، قد دمر معظم مقومات الحياة في بلادنا.
كيف كانت تضحية الأطقم الطبية خلال الحرب؟
بالنسبة للطواقم الطبية خلال الحرب، فقد ضحت بالغالي والنفيس حيث حالها لا يختلف عن حال المواطنين، فكانت حياتها وظروفها المعيشية ظروف صعبة للغاية.

خليل الدقران خلال مؤتمر صحفى
ما أبرز الصعوبات التي واجهتها الأطقم الطبية خلال الحرب؟
كانوا يعيشون في خيام مهترئة، ولم يتقاضوا رواتب منذ بداية هذا العدوان سوى نسبة لا تتجاوز 9%، ولذلك حالهم حال صعب للغاية، ومرت عليهم ظروف سيئة وصعبة للغاية، ظروف عمل على مدار الساعة في ساعات متلاحقة، بسهر الليالي، باستهداف الاحتلال للطواقم الطبية، بجانب فقدان الأسرة بالاستشهاد والإصابات.
ما أبرز القصص الإنسانية التي شاهدها بعينك خلال الحرب؟
أبرز القصص الإنسانية هو فقداننا لزملائنا من الأطقم الطبية خلال الحرب، حيث استشهد أكثر من 1700 من طواقمنا الطبية واعتقل الاحتلال أكثر من 370 من هذه الطواقم، الذين يعذبون في سجون إسرائيل، وما تم الإفراج عنهم أعداد قليلة للغاية، وما زال هناك أعداد كبيرة في داخل المعتقلات، وهو ما يجعل وضع الأطباء داخل غزة صعب للغاية.
كيف كنت تؤدى عملك في مستشفى شهداء الأقصى؟
كان عملي في داخل مستشفى شهداء الأقصى استمريت في العمل لمدة عامين حتى أن تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لأن المستشفى كان بحاجة لنا للعمل بداخله وخاصة كمتحدث لمستشفى شهداء الأقصى، يجب أن يكون العمل بشكل متواصل في داخل المستشفى، وخلال هذان العامين مرت علينا أيام عصيبة للغاية، خاصة أعداد المصابين والمرضى والشهداء الذين ترددوا علينا، لأن المستشفى هذا يعتبر هو المستشفى الوحيد المركزي الموجود في المحافظة الوسطى، وكان يقوم بتقديم الخدمات الصحية لأعداد كبيرة من المواطنين، وخاصة أن منطقتنا نزح إليها أعداد كبيرة من النازحين، وكنا نقدم خدمات لأكثر من مليون نسمة فلذلك كنا بحاجة إلى العمل بشكل متواصل ولم نستطيع العودة لمنازلنا.
هل كنت تزور بيتك أو خيمتك خلال الحرب وتطمئن على عائلتك؟
لم أعدت لمنزلي منذ بداية العدوان حتى نهايته واستمريت على رأس عملي.
كيف أثر ضغط العمل المتواصل على الأطقم الطبية؟
وجميع طواقم الطبية وزنهم نقص بشكل كبير بسبب سوء التغذية وقلة الطعام والظروف الصعبة التى عشناها ونتمنى أن يكون هذا في ميزان حسناتنا، ولم نتراجع أو نستقيل من عملنا ولم نأخذ خطوة للخلف في تقديم الخدمة والمساندة لأبناء الشعب رغم خزلان المجتمع الدولى لنا.

خليل الدقران خلال عمله
كيف كنتم تستطيعون مداواه المرضى رغم قلة الإمكانيات؟
كذلك لدينا في غزة حوالي نصف مليون مريض مصابين بأمراض مزمنة من ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى، وأيضا مرضى القلب ومرضى السرطان، أعداد كبيرة كانت، وكنا نحاول تقديم ما يمكن تقديمه من خدمات طبية، الكثير من الأطقم الطبية استمرت في عملها لعدة أسابيع متواصلة، وبأضعاف ساعات العمل التي يجب أن يؤدونها لعلاج هذا العدد الكبير من المرضى.
ماذا عن وضع الأطفال خلال الحرب ونقص الحليب كيف كنتم تتعاملون كأطقم طبية في ظل هذا الوضع؟
المجاعة أثرت كثيرا على الأطفال، خاصة أنها استمرت لفترة طويلة، كان لدينا أكثر من 60 ألف طفل أقل من عامين، وأيضا كان أقل من خمس سنوات أكثر من 600 ألف طفل، هؤلاء كانوا يعانون من ظروف سوء تغذية ومجاعة، وظروف كانت قاسية وصعبة جدا، التطعيمات كانت شحيحة للغاية.
ماذا كنتم تفعلون حينها للتعامل مع الوضع؟
كنا دائما نناشد جميع المنظمات الدولية للضغط على الاحتلال لإدخال التطعيمات لهؤلاء الأطفال، ليس لدينا غير ذلك.
هل عانيت من المجاعة داخل المستشفى ؟
صحيح في خلال حرب الإبادة مرت علينا مجاعة صعبة وسوء تغذية وصلت إلى المراحل الأشد في غزة، بالنسبة بالطبع لوضعنا في داخل المستشفيات حالنا لا يختلف عن باقي حال المواطنين، كنا خلال فترة المجاعة نعاني من نقص الغذاء ونقص الدواء، ولم يكن في داخل المستشفى أي وجبات طعام ولذلك عندما كنا نحصل على رغيف الخبز خلال 48 ساعة نعتبره إنجازا كبيرا.
هل تعاملت مع أطقم طبية غربية جاءت لزيارة غزة وكيف كان شعورهم عن ما شاهدوه من جرائم؟
هناك وفود طبية جاءت لغزة، وعانت معنا منهم من تعرض للخطر ومنهم من تعرض للاعتقال بينهم طبيب أردني كان يذهب ويعود إلى غزة ويقدم الخدمة ويعمل مع الطواقم الطبية إلا أن الاحتلال اعتقله في أخر مرة جاء ليساند طواقمنا الطبية.
ما هي أصعب جريمة شاهدها بعينك داخل المستشفى؟
جرائم الاحتلال كثيرة، ولكن وفاة المرضي داخل المستشفى بسبب عدم وجود دواء وانهيار الإمكانيات الطبية من أكثر الجرائم، الجرحى لا يوجد لديهم مواد غذائية، وكانت الظروف قاسية لا توصف في ذلك الوقت، حتى أن هناك عدد من الجرحى كانوا يفارقون الحياة بسبب عدم وجود مواد غذائية، وكانت مناعة المرضى ضعيفة والشفاء لبعض الإصابات كان صعبا، وخاصة في ظل عدم وجود التغذية الجيدة وعدم توافر أدوية لمثل الإصابات التي كانت تصل إلينا.
هل رأيت عمليات تجرى بدون تخدير أو على ممرات المستشفى بدون سرير طبي؟
بالنسبة لوضع العمليات، بالطبع العمليات التي كان يتم إجراءها، بعضها كان يتم إجرائه بدون تخدير بسبب عدم وجود مواد مخدرة في داخل المستشفى، ولذلك كنا بعض الأحيان في أقسام الاستقبال نجري بعض العمليات الصغرى بدون تخدير، وهذا شيء مؤلم وخطير للغاية على حياة المصابين في داخل المستشفيات.
كيف كنت تتعامل خلال أي استهداف إسرائيل لمستشفى شهداء الأقصى أو محيطها؟
عندما كان الاحتلال يستهدف مستشفى شهداء الأقصى، كنا في داخل المستشفى مستمرين في العمل، حتى إذا كلفنا ذلك حياتنا، لأنه إذا تركنا المكان ستكون هناك مجزرة كبيرة، خاصة أن جميع المرضى في داخل المستشفى، وخاصة بالأقسام الحيوية، إذا تركناهم، يعني الحكم عليهم بالإعدام جميعا، فظروف العمل كانت خطرة للغاية وفي كل وقت قد يتم استهدافك، وإسرائيل عندما كانت تقصف المستشفى تستهدف معظم خيام النازحين في داخل الساحات وأسطح المجمع الطبي من المناطق العلوية.
ما الذي يحتاجه القطاع الطبي بعد الحرب لإعادة الحياه فيه؟
الاحتياج الطبي في غزة بعد الحرب لكل شيء، بحاجة لأجهزة طبية، وإعادة إنشاء المستشفيات، وبحاجة أيضا إلى إعادة ترميم المنظومة الطبية، وهناك احتياج سريع لفتح مستشفيات ميدانية وإدخال جميع الأجهزة الطبية، لأن الاحتلال منذ بداية هذا العدوان لم يقم بإدخال أي جهاز طبي إلينا كما ذكرت، لذلك نحن بحاجة إلى أدوية، ومستلزمات طبية، ولطواقم طبية مساندة، بحاجة لإعادة ترميم مستشفيات، ولمولدات كهربائية، وأجهزة أكسجين، ومحطات أكسجين، وكذلك أجهزة طبية لجميع الأقسام في داخل مشافي القطاع.