بيشوى رمزى

الصراع المستدام

الثلاثاء، 28 أبريل 2026 10:00 ص


عندما حلت الأحادية القطبية، وتولت الولايات المتحدة زمام العالم بمفردها، بات الحديث عن الاستقرار والتنمية أساسا للأهداف الدولية، فأصبحت الصراعات محدودة زمنيا وجغرافيا، بينما ظهر في المقابل مفهوم الاستدامة في إطار تنموي، إلا أنه مع انطلاق مرحلة المخاض، تحول المفهوم نفسه نحو الحالة الصراعية، وهو ما يبدو في العديد من المعطيات، منها غياب الحسم النهائي، في إطار الانتصار المطلق لطرف مقابل القضاء الكامل على الآخر، بالإضافة إلى التمدد الجغرافي، ليطال مناطق كانت بمنأى عن المواجهة المباشرة، ناهيك عن الأمد الزمني الطويل، وهو ما يطرح تساؤلا حول الكيفية التي تحظى بها تلك الحالة بقدر من الشرعية حتى يتسنى قبولها على المستويين الدولي داخل مجتمع الدول، أو العالمي في إطار شعبوي.

والمفارقة أن الاستدامة ساهمت في توسيع المنظور التنموي، عبر معايير أكثر صرامة، تجاوزت أرقام النمو الاقتصادي، عبر بنية أساسية مؤهلة، وأبعاد بيئية وتكنولوجية وغيرها، وبالتالي فإن ارتباطها بالحالة الصراعية تجاوز الأبعاد التقليدية القائمة على الحسم والانتصار والقضاء على الخصم، وإنما تجلت في تجاوز أطراف الصراع، وتنامي دوره ليتحول من أداة للحسم إلى أداة لتحقيق التوازن، وكذلك امتداده الزمني غير المحدود جراء غياب عامل الحسم، وتداعياته التي وصلت إلى حياة المواطنين سواء من أطرافه أو غيرهم.

ولعل الحديث عن الشرعية عندما ترتبط باستدامة الصراع أمرا مكلفا للغاية، إن لم يكن صادما، إذا ما قورن بالحالة التنموية، في ضوء التناقض الحاد في النتائج، في إطار ما تتكبده الدول، جراء تأثرها بما يترتب على ذلك من تهديدات أمنية مباشرة، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية العميقة، التي خلفها إغلاق سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى زيادة المخصصات الدفاعية، ناهيك عن العديد من الأبعاد السياسية والمجتمعية المرتبطة بالحالة الطارئة ذات الطبيعة المستدامة، وما يترتب عليها من تأثير مباشر على حياة المواطنين، جراء سياسات من شأنها التضييق عليهم، حتى تتمكن الدول من التعامل مع المخاطر التي تواجهها، وهو الأمر الذي يجعل من إضفاء الشرعية على تلك الحالة أمرا بالغ التعقيد.

والواقع أن حالة الصراع المستدام تكتسب شرعيتها عبر مسارين متوازيين؛ أولهما دولي، يقوم على توافق ضمني لا يقتصر على الحلفاء، بل يمتد إلى الخصوم أنفسهم، حول ضرورة إبقاء الصراع داخل حدود محسوبة، لا تسمح بحسمه السريع أو بانفجاره الشامل، بما يحافظ على قدر من التوازن في النظام الدولي، وأما المسار الثاني، فيتمثل في الشرعية الداخلية، التي ترتكز على خطاب يقوم في جوهره على أولوية الحفاظ على الأمن، في ظل غياب بدائل قادرة على مواجهة التهديدات، بما يدفع الرأي العام إلى تقبل حالة "الطوارئ المستدامة"، رغم ما تنطوي عليه من كلفة مباشرة.

وفي هذا السياق، تبدو شرعنة الصراع المستدام داخليا أكثر تعقيدا، في ضوء تباين مواقع الأطراف داخل المعادلة الدولية، واختلاف درجة انخراطها فيه، فالدول المنخرطة بشكل مباشر تعتمد على خطاب يقوم على تضخيم التهديدات التي يمثلها الخصوم، وتقديمها بوصفها وجودية، مع توظيف الأحداث الداخلية لترسيخ هذا التصور، بما يبرر استمرار المواجهة رغم كلفتها، وأما الدول غير المنخرطة، لكنها واقعة تحت تأثير التهديد، فتميل إلى تبني خطاب أكثر حذرا، يركز على إبراز المخاطر المحتملة والاستعداد لها، بما يسهم في تطبيع الصراع كاحتمال قائم، حتى دون الانخراط المباشر فيه.

وفي المقابل، يختلف خطاب الوسطاء نسبيا، إذ لا يسعى إلى إضفاء شرعية على الصراع بقدر ما يركز على احتوائه وضبط إيقاعه، عبر طرحه بوصفه واقعا قائما يتعين التعامل مع تداعياته، لا إنهاءه بشكل فوري، ومن ثم، فإن دور الوسيط لا يتمثل في تبرير الصراع، بقدر ما يتمثل في تهيئة بيئة داخلية وخارجية أكثر تقبلا لنتائجه، بما يسمح بإدارتها مرحليا، دون أن يعني ذلك القبول الكامل بأسبابه أو الانخراط المباشر فيه.

غير أن اختلاف طبيعة الخطاب بين أطراف المعادلة الدولية لا يغير من النتيجة النهائية، حيث تتحول حالة الصراع المستدام إلى واقع مقبول، يكتسب بمرور الوقت قدرا من الشرعية، حتى وإن كان ذلك على مضض، فإما أن يتم تبريره بدحض تهديد يوصف بكونه وجوديا، أو يقدم باعتباره وضعا لا مفر منه في ظل غياب بدائل حقيقية، وفي كلا الحالتين، لا يعود القبول مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تكريس الاستدامة نفسها، بحيث يصبح استمرار الصراع نتيجة طبيعية لتوافر شروط بقائه، لا استثناء يفرضه غياب الحلول.

ولا يتوقف أثر هذا التباين الخطابي عند حدود التفسير أو التبرير، بل يمتد ليؤدي وظيفة أكثر عمقا، تتمثل في إعادة إنتاج الصراع ذاته بصورة مستمرة. فمع تكرار هذه الخطابات، وتنوعها بحسب مواقع الأطراف، لا يصبح الصراع مجرد واقع مفروض، بل يتحول إلى بنية ذهنية مستقرة، يعاد ترسيخها داخل المجتمعات بوصفها الحالة الطبيعية، لا الاستثناء، وبالتالي لا ينظر إلى استمرار المواجهة باعتباره إخفاقا في الوصول إلى حل، بقدر ما يعاد تقديمه بوصفه ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات القائمة، أو تعقيد التوازنات الدولية، وهو ما يحد من أي نزوع حقيقي نحو إنهائه.

وبذلك، لا تقتصر استدامة الصراع على كونه نتيجة لتوازنات مادية أو حسابات استراتيجية، بل تصبح انعكاسا مباشرا لقدرة الأطراف المختلفة على إنتاج سرديات متماسكة تبرر استمراره، وتمنحه غطاءً مقبولا، سواء على المستوى الدولي أو الداخلي، فكل طرف، عبر خطابه، لا يدافع فقط عن موقعه داخل المعادلة، بل يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تثبيت قواعدها، بما يضمن بقاءها واستمرارها، حتى في ظل ما تنطوي عليه من كلفة متزايدة.

وهنا يمكننا القول بأن استدامة الصراع ليست مجرد نتيجة لغياب الحسم أو تعقيد التوازنات فقط، بل أصبحت انعكاسا لقدرة أطرافه على إكسابه قدرا من الشرعية يسمح باستمراره، فمع تداخل الخطابات، وتعدد مستويات التبرير، يتحول الصراع من حالة استثنائية يفترض إنهاؤها، إلى وضع مقبول يمكن التعايش معه، بل والدفاع عنه أحيانا، وبالتالي لا تنبع شرعية هذه الحالة من مشروعيتها في ذاتها، بقدر ما تستمدها من غياب البدائل، أو من إعادة تقديمها بوصفها الخيار الأقل كلفة مقارنة بانهيار التوازن القائم، وبذلك، لا يصبح الصراع المستدام أزمة تبحث عن حل، بقدر ما يتحول إلى إطار منظم للعلاقات الدولية، تدار داخله التفاعلات، وتضبط عبره المسافات، بما يضمن بقاءه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة