هناك جدل قائم منذ عقود حول الصراع بين الحداثة والدين، بل واتهم الدين بأنه عائق أمام التقدم وانسحب هذا علي المؤسسات التعليمية ومنها الأزهر، لكن حين نسبر غور التاريخ وجريات أحداثه سنري مشهدا تأمله يجعلنا نري ما لا يجري ذكره علي الألسن، بل يجري نسيانه أو تغافل بعض من الحقائق التي يحملها، من منا لا يعرف رفاعه رافع الطهطاوي الطالب الذي أتي من الصعيد نابغة زمانه وعصره، درس سنوات ليحصل علي إجازة ويدرس في أروقة الأزهر وهو لديه 21 عاما، أرأيتم نبوغا مبكرا رعاه الشيخ حسن العطار ووضعه في معيته، ومن العطار إنه الشيخ النبيه الذي سافر العديد من البلاد ومنها استنبول حيث شاهد المطبعة وحركة الترجمة ثم صاحب علماء الحملة الفرنسية علي مصر حيث كان يعلمهم العربية، لكنه كان ذلك الذي يرصد علمهم وبحوثهم وأدواتهم، هذا ما جعله يقيم حلقات لطلابه في عدد من العلوم التي لم تكن شائعة في الأزهر، فخرجت الحداثة في مصر من الأزهر، فكر الأزهريين أين نحن وكيف نذهب للمستقبل؟
هذا ما دفع حسن العطار إلي أن يكون دعامة في مشروع الحداثة المصرية، فرشح تلميذه النابه رفاعه الطهطاوي إلي مرافقة أول بعثة مصرية أرسلها محمد علي باشا لباريس، ليكون إماما لها، لكنه أسدي له نصيحة بأن يدون كل ما يراه في كتاب فخرج لنا بسبب ذلك كتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) هذا الكتاب كانت عين قادمة من مصر علي الحضارة الغربية، كان رفاعة في هذا الكتاب عين راصده محللة بل ترجم فيه فقرات من كتب، فعندما قرأه أهل مصر أدركوا أين هم من حركة العلم والتقدم في الغرب، كان رفاعه الطهطاوي ناقدا وليس ناقلا، محللا وليس منبهرا منبطحا أمام ما شاهده، سافر الطهطاوي إماما للطلبة ولكنه سرعان ما اندمج معهم ليتعلم الفرنسية لحد الإجادة لتصدر الأوامر بعد ذلك أن يؤهل كمترجم، هكذا كان الجد والمثابرة ديدنه، فأبهر الفرنسيين في كل مرة حتي انهالت عليه كتبهم كهدايا، لم يضيع ثانية في فرنسا بل وضع نصب عينه أن له دور في التعاطي مع الحداثة الغربية، حتي صرنا نراه يجتهد في تعريب العديد من المصطلحات للعلوم الجديدة وإن لم يجد لها مرادفا يكتبها بالعربية شارحا معناها في عدة جمل.
ترجم الطهطاوي في باريس ما يزيد علي 12 رسالة أو ورقة أو كتاب، في علوم شتي ومختلفة، تتلمذ الطهطاوي علي يد أشهر مستشرقي فرنسا سلفستر دي ساسي والذي انتقد الطهطاوي عدم اجادته اللغة العربية، لكنه أشاد بتحقيقة لمقامات الحريري، والتي جوهرة من جواهر الأدب العربي، كان الطهطاوي صاحب رؤية ثاقبة ينتمي إلي رأي في علم الإجتماع كما يذكر الدكتور أحمد الشمسي في كتابه ( إعادة اكتشاف التراث الإسلامي) يقول أن المجتمعات كيانات تاريخية، لها ماض ومستقبل، قابلان للتأثير فيها والتخطيط لها، وهذا ما جعله حداثيا أزهريا مثاليا، لذا لا نستغرب أن كل ما طرحه من أفكار لاقت القبول من أطراف يمكن أن نراها اليوم علي التضاد، فالمجددين قبلوا كل أطروحاته ومشروعاته، والأزهريين شاهدوا فيه الأمل، ولكونه يفني نفسه فقد اكتسب مصداقية لم تتوفر لغيره، لذا كان صوته عند صاحب القرار مسموعا فوافق علي إنشأ مدرسة الألسن ( كلية الألسن جامعة عين شمس الأن ) لتكون مدرسة لتخريج المترجمين وأداة الدولة لترجمة الكتب، علي الجانب الأخر دفع إلي المطابع كتب من التراث العربي لطباعتها منها خطط المقريزي، مقدمة ابن خلدون التي شاهد في باريس ولع الفرنسيين بها، تفسير القرأن لفخر الدين الرازي، وكتاب الأغاني للأصفهاني.
من منا لا يذكر المتحف المصري في ميدان التحرير، لكن كم واحد من المصريين يعرف الأب الروحي لهذا المتحف، فالطهطاوي هو الذي سعي لكي يعرف المصريين تاريخهم فألف أو ل كتاب حديث منهجيا لتاريخ مصر قرر علي طلبة المدارس، وسعي لترجمة عشرات المقالات عن حضارة مصر نشرها في مجلة ( روضة المدارس ) ثم قاد حملة ضد نهب الأجانب أثار مصر، حتي اقنع محمد علي باشا بتنظيم تصاريح الحفر علي الاثار وتعيين مفتشين يراقبوها، فما كان من محمد علي إلا أن رضخ لطلبه، لكنه أصر علي أن أي أثار تكتشف تنقل لمدرسة الألسن ليضعها في بناية مجاروة للمدرسة لتكون أول متحف للأثار الفرعونية في تاريخ مصر، بل ذهب الطهطاوي إلي السعي لكي يتعلم بعض المصريين لغة قدماء المصريين، فهل يمكن أن نعتبر الطهطاوي هو الأب الحقيقي لعلم الأثار في مصر، هذا الجانب لم يلقي اهتماما إلي الأن من الباحثين للأسف الشديد، وإن كان تتبع جهود الطهطاوي تكشف أنه عمل علي احياء التاريخ المصري أيضا بقوة.
كل ما سبق يقودنا إلي أن الطهطاوي الشيخ لم تنفصل شخصيتة حين سافر للخارج، ولم يتغير أو ينقلب علي دينه لكي يحظي بالشهرة، بل كان ذلك العالم المتزن، الذي وازن بين القديم والجديد في سابقة ما زال التفكير فيها بعيدا عن أذهان عدد كبير من المعاصرين.